الرئيسية / المنبر الحر / أطباء الجن! بقلم الدكتور محمود القاعود

أطباء الجن! بقلم الدكتور محمود القاعود

بقلم: محمود القاعود

هالني ما رأيتُ في مقطع ڤيديو يزعم فيه صاحبه وجودَ «أطباء من الجن» قادرين على علاج جميع الأمراض المستعصية، مِن السرطان والإيدز إلى تليّف الكبد وداء السكّري وحتى العقم.. والعجيب ليس الادعاء ذاته بقدر ما هو سيلُ التعليقات التي تؤكّد بلا دليل علمي أو توثيق طبي أنَّ الجن قد شفوهم بالفعل!

هذه الشهادات المتداولة تقوم على التجربة الشخصية والانطباع الذاتي دون وجود تقارير طبية معتمدة أو فحوص موثّقة قبل العلاج وبعده.. كما تتجاهل الطبيعة البيولوجية المعقّدة لهذه الأمراض التي تتطلّب تشخيصًا دقيقًا وتدخّلًا علاجيًّا قائمًا على منهج علمي صارم.. والأخطر من ذلك أن خرافة أطباء الجن تُفضي إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى.

غير أنّ فكرة «طبيب الجن» ليست وليدة هذا العصر.. إذ تُعدّ من أقدم الإشارات الأدبية إليها ما ورد في الشعر العربي الأموي عند قيس بن الملوّح.. الذي قال في سياق المبالغة الشعرية الناشئة عن لوعة العشق واستحالة الشفاء الإنساني:

أَلا يا طَبيبَ الجِنِّ وَيحَكَ داوِني

فَإِنَّ طَبيبَ الإِنسِ أَعياهُ دائِيا

أَتَيتُ طَبيبَ الإِنسِ شَيخاً مُداوِيًا

بِمَكَّةَ يُعطي في الدَواءِ الأَمانِيا

فَقُلتُ لَهُ يا عَمُّ حُكمُكَ فَاِحتَكِم

إِذا ما كَشَفتَ اليَومَ يا عَمِّ ما بِيا

فَقالَ شِفاءُ الحُبِّ أَن تُلصِقَ الحَشا

بِأَحشاءِ مَن تَهوى إِذا كُنتَ خالِيا

وهذه الأبيات لا تعبّر عن اعتقادٍ واقعيّ بقدراتٍ طبية للجن.. بل تمثّل واحدةً من أبلغ صور المبالغة الشعرية التي لجأ إليها قيس للتعبير عن عجز الطب الإنساني أمام داء العشق.. وتحويل اليأس الوجداني إلى صورة تخييلية.. وهو فارق جوهري ينبغي استحضاره عند مقارنة الأدب بالواقع والشعر بالخرافة المعاصرة.

والسؤال: هل يوجد «أطباء من الجن» أصلًا؟

من حيث الوجود العام للجن.. نعم الجن موجودون بنصّ القرآن الكريم وهم مخلوقات مكلَّفة عاقلة، قال الله تعالى:«وَخَلَقَ ٱلْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ» وقال عزَّ وجل: «وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ» فالجن فيهم الصالح والطالح والمؤمن والملحد، وفيهم المتعلّم والجاهل، كما في الإنس.. لكن: لم يثبت لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الشريفة وجودُ فئةٍ اسمها: «أطباء الجن الذين يعالجون البشر طبّيًا» ولا ورد أن الجن يمارسون طبًّا أو جراحة للبشر.. ولا أن هذا أمرٌ مشروع أو واقعٌ ثابت.

ثانيًا: ما حقيقة ادعاء «أطباء الجن» المنتشرة في «التيك توك»؟

الحقيقة أن هذه الأكاذيب لا تخرج عن ثلاثة أمور:

– كذب واحتيال صريح وهو الغالب.. دجّال أو مشعوذ يستغل جهل الناس وخوفهم من المرض ويوهمهم أن «جنيًّا مسلمًا طبيبًا» يعالِج عن طريقه، وغالب هؤلاء يأخذون الأموال ويمنعون المرضى من الطب الحقيقي وينتهون غالبًا بمآسٍ صحية ونفسية

– استعانة بجن كافر أو فاسق وهذا أخطر، فيكون هناك تواصل حقيقي مع الجن، لكن عبر سحر أو طلاسم أو شركيات وسب لله عزّ وجل.. والجن هنا لا يعالجون رحمةً بالإنسان بل استدراجًا وإضلالًا.. قال الله تعالى: «وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا» أي: زادهم الجن خوفًا وضلالًا وإثمًا.

– اضطرابات نفسية وتأثير إيحائي.. بعض الحالات تتحسن نفسيًّا فيُظَن أنها شُفيت بعمل الجن بينما هو تأثير نفسي أو وهم علاجي

ثالثًا: هل يملك الجن قدرة على شفاء السرطان أو إجراء جراحة؟

لا دليل شرعي ولا علمي على ذلك فالسرطان مرض عضويٌّ معقّد:

يحتاج علم خلايا وجراحة دقيقة وأشعة وكيمياء علاجية

ولا يوجد نص واحد صحيح يذكر أن الجن يشقّون بطون البشر أو يزيلون أورامًا أو يخيطون أعضاء أو يعالجون أمراضًا عضوية مستعصية وكل ما يُروى قصص بلا سند وحكايات شفوية أو شهادات لا تخضع لأي توثيق طبي حقيقي.

بل إن كثيرًا مِن هذه القصص ثبت كذبها أو انتهت بوفاة المرضى بعد ترك العلاج الحقيقي.

رابعًا: هل الاستعانة بالجن في العلاج حرام؟

الحكم الشرعي واضح عند جمهور العلماء «الاستعانة بالجن في العلاج محرَّمة» وتكون حرامًا وتصل إلى الشرك الأكبر إذا تضمنت: استعانة واستغاثة وذبح وطلاسم وتعظيم غير الله

قال سيدنا ﷺ: «من أتى عرّافًا أو كاهنًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد» وقال ﷺ: «إنَّ الرُّقَى والتَمائِمَ والتِّوَلَةَ شِرْكٌ» حتى لو زعموا «جن مسلمون» و«يعالجون بالقرآن» و«لا يأخذون مالًا» فالعبرة بالوسيلة وليس بالادعاء.

خامسًا: هل يوجد استثناء شرعي؟

الرقية الشرعية فقط وهي بالقرآن الكريم والأدعية النبوية بلا استدعاء جن وبلا مخاطبتهم وبلا وساطة وهذه ليست علاجًا طبيًّا مباشرًا، بل عبادة وسبب روحي لا يُغني عن الطب.

صدق الله العظيم: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا»

في 17 يناير 2026م

عن habib

شاهد أيضاً

سَيِّدِي وَوَالِدِي حِلْمِي القَاعُود.. المُجَاهِدُ الشَّهِيدُ

بِقَلَمِ: مَحْمُود حِلْمِي القَاعُود يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، اكْتَمَلَ القَمَرُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ فَجْرَ الخَامِسَ عَشَرَ مِنْ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *