بقلم عمار عمر عبد الرحمان
لحظة وداع Farewell moments
لحظة تسليم الشيخ عمر عبدالرحمن نفسه للمباحث الفيدرالية الأمريكية من مسجد السلام في نيويورك. وقد استأذنت المباحث الفيدرالية الشيخ بتسليم نفسه حتى لا يضطروا لاقتحام المسجد. فقال له تلامذته وأتباعه لن نتركك ولن نسلمك، فرفض الشيخ الضرير وقال لهم لا تقتلوا أنفسكم بل أحيوا رسالتكم بحمل اللواء. سوف أمضي كما مضى السابقون، وعليكم رفع الراية ومواصلة الطريق حتى يُحكم كتاب الله في أرضه. ثم ودعهم ولسان حاله يقول:
لما رأيت العيون تذرف بالدما
علمت بأن القلوب ذاقت علقما
ودعوا الوداع لعل صبحكم ضاحك
وعلى فراقكم الحزن ليلاً خيما
وكأن الشيخ الضرير وهو يودع إحدى بناته يقول:
جاءت تودعني والدمع يغلبها
عند الرحيل وحادي البين منصلت
وأقبلت وهي في خوف وفي دهش
مثل الغزال من الأشراك ينفلت
فلم تطق خيفة الواشي تودعني
ويح الوشاة لقد لاموا وقد شمتوا
وقفت أبكي وراحت وهي باكية
تسير عني قليلاً ثم تلتفت
فيا فؤادي كم وجد وكم حزن
ويا زماني ذا جور وذا عنت
وارتفع صوت البكاء في بيت من بيوت الله لفراق معلمهم وشيخهم، وارتفعت صيحات التكبير والتهليل تثبت القلوب وتغرس الصبر. احتضنوا الشيخ يودعونه والدموع تسيل كالنهر الجاري، وليس الذي يجري من العين دمعها ولكنها روح تسير فتقطر. ثم غادروا المسجد وهم يكبرون ويهللون ولسان حالهم يقول:

لئن لم نلتقي في الأرض يوماً
وفرق بيننا كأس المنون
فموعدنا غداً في دار خلد
بها يحيا الحنون مع الحنون
سلموا الشيخ لسلطات الأرض وعادوا ينشدون:
لن أستكين وفي الكنانة أنفس تهوي الردى
أبداً تثور علي المظالم كاللظى لن تخمدا
هكذا تبقى تلك اللحظات من عمر ذلك الرجل درساً وعبرة، تزيد أتباعه صبراً وثباتاً على مواصلة الطريق حتى يلتقوا به في جنات ونهر.
بقلم عمار عمر عبدالرحمن
الأحد 24 جمادي الآخرة 1441 هـ
الموافق 18 فبراير 2020 م