ماذا يحدث في إسطنبول؟
آيات عرابي
انقلاب على أكرم إمام أوغلو أم حملة دعائية له؟
البداية كانت بقرار جامعة إسطنبول إلغاء شهادة تخرج رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، وهو القرار الذي أشعل موجة من الجدل على كافة المستويات. لم تمضِ سوى ساعات حتى فوجئ الجميع بخبر اعتقال إمام أوغلو نفسه، في خطوة صدمت الرأي العام التركي، خاصة مؤيديه، خاصة بعد ظهوره في فيديو يعلن فيه عملية القبض عليه، لكن الصدمة لم تتوقف هنا، فقد شملت الاعتقالات أكثر من مائة اسم، من بينهم رئيس بلدية شيشلي، نائب رئيس حزب الجيد، وعدد من الشخصيات المقربة من حزب العدالة والتنمية، إضافة إلى رجال أعمال، بعضهم تم القبض عليه أثناء محاولته الفرار خارج تركيا وبحوزته ملايين الليرات، بينما نجح آخرون في الهروب.
في ظل هذه الأحداث المتسارعة، أكدت وزارة العدل التركية أن ما يجري ليس سوى تحقيقات قانونية، وأن جميع الإجراءات تتم تحت رقابة أجهزة الدولة، وشدد على أن من تثبت براءته سيتم الإفراج عنه فورًا.
لكن التساؤلات بدأت تتزايد: هل نحن أمام حملة قانونية تهدف لكشف قضايا فساد، أم أن الأمر يتجاوز ذلك ليصبح صراعًا سياسيًا؟
البداية من تسريب مارس 2024
الشرارة الأولى لهذه القضية تعود إلى تسريب فيديو في مارس 2024، نشره أركان تشاكير، الرئيس السابق لفرع الشباب في حزب الشعب الجمهوري بولاية موش. الفيديو أظهر مجموعة من الأشخاص في مكتب محاماة، يحملون حقائب ممتلئة بالنقود، يفرغونها على طاولة، ثم يقوم أحدهم بعدّ الأموال باستخدام آلة إلكترونية. تشاكير أكد أن هذه الأموال جاءت كرشاوى من أصحاب شركات إنشاءات حصلوا على مناقصات من بلدية إسطنبول.
أحد أبرز الشخصيات التي ظهرت في الفيديو كان فاتح كيليتش، وهو من أقرب المقربين لأوغلو.
هذا التسريب كان بمثابة نقطة البداية، حيث بدأت الجهات القانونية بجمع المعلومات وإجراء تحريات موسعة، قادت لاحقًا إلى سلسلة الاعتقالات.
خطة الهروب إلى الأمام: الترشح الرئاسي
مع تصاعد الضغوط، واعتقال عدد من المقربين منه، وجد أكرم إمام أوغلو نفسه في موقف صعب، فكان الحل البديل هو الترشح للانتخابات الرئاسية، في محاولة لفرض معادلة جديدة على السلطة، بحيث يصبح اعتقاله خطوة محرجة داخليًا وخارجيًا. لكن هذه الخطة لم تنج، حيث انسحب رئيس بلدية أنقرة، منصور يافاش، من السباق، ليصبح إمام أوغلو المرشح الوحيد، قبل أن يتم اعتقاله، مما أنهى تلك المناورة السياسية مبكرًا.
رحلة إمام أوغلو السياسية: من اليمين إلى اليسار
لم يكن أكرم إمام أوغلو محسوبًا على التيار اليساري منذ البداية، فقد بدأ حياته السياسية في حزب الوطن الأم اليميني، قبل أن يحاول الانضمام إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم، لكن الحزب لم يرحب به لأسباب غير معلنة. عندها، حوّل بوصلته نحو حزب الشعب الجمهوري، حيث تمكن عبره من الفوز برئاسة بلدية بيليك دوزو في إسطنبول، ومنها شق طريقه نحو رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى.
في عام 2019، خاض الانتخابات البلدية ضد رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، في مواجهة غير متكافئة نظرًا لتاريخ يلدريم السياسي، لكن إمام أوغلو فاجأ الجميع بفوزه، ليس مرة واحدة، بل مرتين، بعد إعادة الانتخابات، التي وظّفها ببراعة لتعزيز شعبيته.
بعدها اصبح واضحًا أن رئاسة بلدية إسطنبول لن تكون هدفه الأخير، بل محطة نحو طموح أكبر: رئاسة الجمهورية، حيث دعمته الدعاية الداخلية والغربية خاصة بعد فوزه بولاية ثانية عام 2023، على مرشح السلطة آنذاك، وزير البيئة السابق، مراد قوروم.
طموح إمام أوغلو لم يتوقف عند حدود البلدية، بل امتد إلى داخل حزبه نفسه، حيث عمل على إضعاف شخصيات قوية مثل كمال كليجدار أوغلو، وساهم في الإطاحة به خلال المؤتمر العام للحزب في نوفمبر 2024، لصالح الرئيس الحالي للحزب. المفارقة أن وقائع ذلك المؤتمر تخضع للتحقيق حاليًا، بعد اتهامات باستخدام المال السياسي لإزاحة كليجدار أوغلو.
هذا النهج في “تأميم الحزب” لصالحه، وإقصاء المنافسين، خلق له أعداء حتى داخل معسكره، وساهم في كشف مزيد من ملفات الفساد التي وصلت إلى جهات التحقيق، مما عجّل بسقوطه.
الشارع التركي انقسم بين رأيين متضادين. البعض يرى أن هذه الحملة ليست سوى محاولة من الحكومة، وعلى رأسها الرئيس أردوغان، لإقصاء إمام أوغلو والتشويش عليه قبل أي انتخابات قادم خاصة بعد أن أصبح أحد الأسماء المطروحة بقوة لمنافسة أردوغان مستقبلاً.
على الجانب الآخر، هناك من يعتقد أن ما يجري هو أكبر حملة أمنية في تاريخ تركيا لكشف قضايا فساد ودعم للإرهاب، حيث بلغ حجم الفساد المكتشف حتى الآن 560 مليار ليرة.
الاتهامات الموجهة تشمل الرشوة، الابتزاز، التلاعب في المناقصات، الحصول على البيانات الشخصية، والانتماء إلى تنظيم إجرامي منظم.
إسطنبول، بل لمستقبل تركيا ككل.
هل تتجه تركيا إلى سيناريوهات خطيرة؟
هذه الأحداث لا تتعلق فقط بمصير إمام أوغلو، بل قد تكون مقدمة لتحولات كبرى في تركيا، وسط تصاعد التوترات السياسية والاقتصادية. البعض يرى أن هذه القضية قد تؤدي إلى اضطرابات داخلية، فيما يذهب آخرون إلى سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في احتمالية استهداف الرئيس أردوغان نفسه، حيث يرى البعض أن التنظيمات الاجرامية التي كان يقوم أوغلو بتسهيل أعمالها، قد تقوم باغتيال الرئيس أردوغان حتى تنتهي مرحلة حزب العدالة والتنمية وتمهيد تركيا لما هو قادم
وهي توقعات تأتي في ظل توترات إقليمية وظهور تهديدات أمنية على تركيا يرجعها البعض لمواقف أردوغان الأخيرة تجاه الأوضاع في غزة ما أدى إلى صدور تصريحات من النتن ياهو رئيس وزراء الكيان الصـ هـ يـ وني، تستهدف تركيا، حيث قال صراحةً إنه “سيعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، وفي قلبها تركيا”
ما القادم؟
وسط هذا المشهد السياسي الإقليمي المليء بالتطورات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستطيح هذه التحقيقات بإمام أوغلو من المشهد السياسي نهائيًا، أم أنها ستزيد من شعبيته وتجعله أكثر قوة؟ خاصة وانه يستغل وجوده تحت التحقيق في توجيه رسائل داخليه لأنصاره ومؤيديه ولجموع الشعب التركي، مؤكداً براءته وان ما حدث هو انقلاب على ارادة الشعب ورسائل خارجية للبرلمان الأوروبي
وهل تواجه تركيا بالفعل خطر استهداف قيادتها، أم أن هذه مجرد تكهنات مبالغ فيها؟
الأكيد أن الأيام القادمة ستكون حاسمة، ليس فقط لمستقبل تركيا، بل لمنطقتنا العربية والإسلامية