بِقَلَمِ: مَحْمُود حِلْمِي القَاعُود
يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، اكْتَمَلَ القَمَرُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ فَجْرَ الخَامِسَ عَشَرَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ 1446هـ، المُوَافِقِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ مَايُو 2025م، فِي مُسْتَشْفَى يَاسِين عَبْدِ الغَفَّارِ، بِمَدِينَةِ نَصْرٍ بِالقَاهِرَةِ، الطَّابَقِ الثَّانِي، وَتَحْدِيدًا قِسْمِ العِنَايَةِ المُرَكَّزَةِ، فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَجْرًا، عَرَجَتْ رُوحُ أَبِي الطَّاهِرَةُ إِلَى السَّمَاوَاتِ العُلَى، لِيَلْتَقِيَ الشَّهِيدُ المُجَاهِدُ الصَّابِرُ المُحْتَسِبُ البَاذِلُ نَفْسَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، سَيِّدِي وَوَالِدِي الوَلِيُّ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الخَفِيُّ حِلْمِي مُحَمَّد القَاعُود، بِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَالحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَفِي نَفْسِ اليَوْمِ، بَعْدَ السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ عَصْرًا، دَفَنْتُ رُوحِي، دَفَنْتُ عُمْرِي، دَفَنْتُ قَلْبِي، دَفَنْتُ حَيَاتِي، دَفَنْتُ دَمِي، دَفَنْتُ نُورَ عَيْنَيَّ.. دَفَنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللهِ إِلَيَّ بَعْدَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
دَفَنْتُ رُوحِي.. أَجَلْ، دَفَنْتُ رُوحِي..
دَفَنْتُ حَيَاتِي.. أَجَلْ، دَفَنْتُ حَيَاتِي..
كُلُّ حُرُوفِ الدُّنْيَا وَاللُّغَاتِ المَوْجُودَةِ مُنْذُ نُشُوءِ الكَوْنِ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا لَا تُعَبِّرُ عَنْ أَلَمِي..
يَقُولُ رَبُّ العَالَمِينَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (سورة الأنبياء: 34). رَضِيتُ يَا رَبِّ بِقَضَائِكَ.. أَنْتَ صَاحِبُ المَشِيئَةِ وَصَاحِبُ الأَمْرِ.. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (سورة البقرة: 156).. لَا اعْتِرَاضَ فِيمَا تَحْكُمُ.
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (سورة البروج: 13-16).
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
اسْتُشْهَدَ وَالِدِي.. نَعَمْ، لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ نِهَايَةٌ تَلِيقُ بِهِ سِوَى الشَّهَادَةِ..
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ” (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
عَرَجَتْ رُوحُ أَبِي الطَّاهِرَةُ وَكَانَ يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً عَجِيبَةً، لَمْ أَعْهَدْهَا فِيهِ طِيلَةَ حَيَاتِهِ..
يَقُولُ رَبُّ العَالَمِينَ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (سورة النحل: 32).
نَعَمْ يَا رَبِّ، كَانَ وَالِدِي الشَّهِيدُ فِي كُلِّ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ يَذْكُرُ اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا.. فِي غَيْبُوبَتِهِ، كَانَ كُلَّمَا سَمِعَ اسْمَ سَيِّدِ الكَائِنَاتِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الحَالِ: “عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ” بِصَوْتِهِ العَذْبِ الجَمِيلِ.. كَانَ يُرَدِّدُ فِي الغَيْبُوبَةِ بِصِفَةٍ دَائِمَةٍ: “لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.. لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ”.
قَبْلَ عُرُوجِ رُوحِهِ الطَّاهِرَةِ، طَلَبَ أَنْ نَتَبَرَّعَ لِدَارِ الأَيْتَامِ، وَهِيَ عَادَتُهُ الَّتِي حَرِصَ عَلَيْهَا. عَلَى الفَوْرِ، أَرْسَلْتُ شَقِيقِي عَبْدَ اللهِ وَأَعْطَيْتُهُ المَبْلَغَ المَطْلُوبَ. بَعْدَهَا بِسَوِيعَاتٍ، سَأَلَنِي رَضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ: “عَبْدُ اللهِ فَيْنَ؟” أَجَبْتُهُ: “ذَهَبَ إِلَى دَارِ الأَيْتَامِ، وَقَامَ بِالمَطْلُوبِ، وَكُلُّ الأَطْفَالِ الصِّغَارِ هُنَاكَ يَدْعُونَ لِحَضْرَتِكَ بِالشِّفَاءِ وَالصِّحَّةِ”. فَأَجَابَ بِفَرَحٍ: “الحَمْدُ لِلَّهِ.. الحَمْدُ لِلَّهِ.. الحَمْدُ لِلَّهِ”، وَظَلَّ يُكَرِّرُ “الحَمْدُ لِلَّهِ” عَشَرَاتِ المَرَّاتِ.
قَبْلَ الفَاجِعَةِ بِيَوْمَيْنِ، قُلْتُ لَهُ: “إِنْتَ رُوحِي يَا بَابَا”. قَالَ لِي: “إِنْتَ رُوحُ قَلْبِي يَا مَحْمُود!”
أَتَعْلَمُ يَا رُوحَ رُوحِي وَقَلْبَ قَلْبِي يَا أَبِي، وَأَنْتَ بِمَشِيئَةِ اللهِ الآنَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ، أَنِّي دَعَوْتُ اللهَ كَثِيرًا أَنْ يَقْبِضَ رُوحِي قَبْلَ أَنْ أَرَى هَذَا اليَوْمَ؟ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ تُشَيِّعَنِي، أَنْ أَسْبِقَكَ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ، وَأَنْ تُغْفَرَ ذُنُوبِي بِدَعْوَتِكَ لِي.. يَا رَبِّ، رَضِيتُ بِقَضَائِكَ وَحُكْمِكَ.. لَكَ الخَلْقُ وَالأَمْرُ.. وَمِنِّي الخُضُوعُ وَالتَّسْلِيمُ.. سُبْحَانَكَ تَعْلَمُ وَلَا نَعْلَمُ.. فَاغْفِرْ سُوءَ أَدَبِي يَا رَبِّي.
اتَّصَلَتْ بِيَ اليَوْمَ الخَمِيسَ 15 مَايُو 2025م إِحْدَى قَرِيبَاتِنَا بَعْدَ أَنْ صَلَّتِ الظُّهْرَ، وَأَمْسَكَتِ المِسْبَحَةَ وَظَلَّتْ تَسْتَغْفِرُ اللهَ، ثُمَّ غَلَبَهَا النُّعَاسُ. أَقْسَمَتْ بِاللهِ العَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَنَّهَا رَأَتْ سَيِّدِي وَوَالِدِي الشَّهِيدَ عَلَيْهِ رِضْوَانُ اللهِ فِي أَبْهَى حُلَّةٍ، وَكَانَ شَابًّا سَلِيمًا لَا يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاهُ. قَالَ لَهَا: “قُولِي لِمَحْمُود مَا تَزْعَلْش، أَنَا تَزَوَّجْتُ فَتَاةً بِكْرًا”.
صَدَقَ اللهُ العَظِيمُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ ۖ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة الدخان: 51-57).
﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ (سورة الواقعة: 27-40).
أَتَعْلَمُ يَا رُوحَ رُوحِي وَقَلْبَ قَلْبِي يَا أَبِي، أَنَّ دُمُوعِي تَنْهَمِرُ كُلَّمَا دَقَّتِ السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ وَالنِّصْفُ صَبَاحًا؟ أَسْتَمِعُ لِمُنَبِّهِ هَاتِفِكَ المَحْمُولِ وَهُوَ يَرِنُّ، كُنْتَ تَقُومُ لِتَقْرَأَ الوَرْدَ اليَوْمِيَّ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَتَنْتَظِرُ صَلَاةَ الفَجْرِ، وَتَجْلِسُ لِتَكْتُبَ مَقَالَاتِكَ الَّتِي تُنَافِحُ فِيهَا عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ. وَأَجْلِسُ مَعَكَ لِنَتَحَدَّثَ عَنْ أَحْوَالِ الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَأَسْتَمِعُ إِلَى نَصَائِحِكَ..
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (سورة الأحزاب: 23).
لَمْ تُبَدِّلْ تَبْدِيلًا يَا رُوحَ رُوحِي.. كُنْتَ تَسْعَى دَائِمًا إِلَى الحَيَاةِ الآخِرَةِ: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (سورة الإسراء: 19).
كُلَّمَا قُلْتُ لَهُ: “أَنْتَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الَّذِينَ حَصَلُوا عَلَى جَائِزَةِ الدَّوْلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ”، يَقُولُ لِي: “يَا شَيْخَ مَحْمُود، الجَائِزَةُ الحَقِيقِيَّةُ مِنَ اللهِ!”
﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ (سورة الإنسان: 27). كَانَ وَالِدِي الشَّهِيدُ يَخْشَى هَذَا اليَوْمَ الثَّقِيلَ، وَلَا تَعْنِيهِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا..
أَتَعْلَمُ يَا رُوحَ رُوحِي وَقَلْبَ قَلْبِي يَا أَبِي، أَنَّ الطُّيُورَ وَالحَمَائِمَ وَالعَصَافِيرَ الَّتِي كُنْتَ تَسْقِيهَا كُلَّ يَوْمٍ تَفْتَقِدُكَ؟ وَأَنِّي أُوَاصِلُ مَسِيرَتَكَ وَأَضَعُ لَهَا الطَّعَامَ وَالمَاءَ كُلَّ يَوْمٍ.
أَتَعْلَمُ يَا رُوحَ رُوحِي وَقَلْبَ قَلْبِي يَا أَبِي، أَنِّي كُلَّمَا سَمِعْتُ صَرِيرَ بَابِ غُرْفَتِكَ أَتَوَقَّعُ أَنْ أَرَاكَ تَبْتَسِمُ ابْتِسَامَتَكَ المَعْهُودَةَ لِي، لِأَقُولَ لَكَ: “أَعْمَلْ لِحَضْرَتِكَ شَايًا؟” فَتَرُدُّ بِأَدَبِكَ الَّذِي عُرِفَ عَنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ: “زِي بَعْضُهُ!”
عِنْدَمَا خَرَجْنَا مِنَ المُسْتَشْفَى بِالجُثْمَانِ الطَّاهِرِ، أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ، كَانَتْ بُشْرَى لِهَذَا العَبْدِ الصَّالِحِ. وَعِنْدَمَا نَظَرْتُ لِقَبْرِ سَيِّدِي وَوَالِدِي الحَبِيبِ، أَقْسَمُ أَنِّي رَأَيْتُ القَبْرَ مُتَّسِعًا بِصُورَةٍ عَجِيبَةٍ.. لَمْ أَشْعُرْ بِرَهْبَةٍ أَوْ وَحْشَةٍ.. فَأَيُّ سِرٍّ لَكَ مَعَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَا أَبِي؟
وُلِدَ سَيِّدِي وَوَالِدِي الشَّهِيدُ حِلْمِي القَاعُود يَوْمَ الجُمُعَةِ 5 إِبْرِيل 1946م، المُوَافِقِ 3 جُمَادَى الأُولَى 1365هـ. عَاشَ رَضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ بِالتَّارِيخِ الهِجْرِيِّ 81 سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَ14 يَوْمًا.. وَعَاشَ أَسْكَنَهُ اللهُ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى بِالتَّارِيخِ المِيلَادِيِّ 79 سَنَةً وَ39 يَوْمًا.
بَابَا.. يَا رُوحِي.. يَا أَغْلَى مِنْ رُوحِي.. أَلَمُ الفَقْدِ لَا يُحْتَمَلُ.. أُنَاجِي اللهَ كُلَّ دَقِيقَةٍ أَنْ يُلْهِمَنِي الصَّبْرَ.. لَا أَطِيقُ هَذَا العَذَابَ..
يَعِزُّ عَلَيَّ حِينَ أُدِيرُ عَيْنِي
أُفَتِّشُ فِي مَكَانِكَ لَا أَرَاكَا
وَلَمْ أَرَ فِي سِوَاكَ وَلَا أَرَاهُ
شَمَائِلَكَ المَلِيحَةَ أَوْ حلَاكَا
قُمْ يَا بَابَا لِنَذْهَبَ إِلَى الكُلِّيَّةِ.. عُدْ إِلَى مُصْحَفِكَ وَسَجَّادَتِكَ.. هَيَّا نُشَاهِدُ مُسَلْسَلَ أَرْطُغْرُلَ وَعُثْمَانَ.. اطْلُبْ مِنِّي عَمَلَ الشَّايِ.. قُلْ لِي: “اسْتَثْمِرْ وَقْتَكَ يَا مَحْمُود، اكْتُبْ وَشَدَّ حَيْلَكَ”.. اجْلِسْ يَا بَابَا عَلَى مَكْتَبِكَ وَاكْتُبْ مَقَالَاتِكَ لِأَجْلِسَ بِجِوَارِكَ.. اتَّصِلْ بِي.. بَابَا يَتَّصِلُ بِكَ: “إِنْتَ فَيْنَ يَا مَحْمُود، مَتَتْأَخَّرْش يَا حَبِيبِي، أَنَا فِي انْتِظَارِكَ!”
لَوَهْلَةٍ يَا بَابَا يَا رُوحِي، شَعَرْتُ أَنَّهُ الكَابُوسُ الَّذِي حَاوَلْتُ الهَرَبَ مِنْهُ طِيلَةَ عُمْرِي، حَتَّى فِي المَنَامِ.
لَا اعْتِرَاضَ عَلَى قَضَاءِ اللهِ.. سُبْحَانَهُ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.. لَكِنْ رُوحِي تَلِفَتْ.. أَنَا لَا أَرْثِيكَ يَا بَابَا.. الحَقِيقَةُ الوَحِيدَةُ أَنِّي أَرْثِي نَفْسِي أَمَامَ الدُّنْيَا كُلِّهَا.. فَأَنَا الَّذِي مُتُّ فِي الحَقِيقَةِ، وَأَنْتَ الحَيُّ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ بِصُحْبَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لَقَدْ سُجِّلَ اسْمُكَ يَا وَالِدِي بِعَلَامَةٍ مِنْ نُورٍ فِي تَارِيخٍ مَمْتَدٍّ مُنْذُ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ عَامٍ.. مُنْذُ نُزُولِ سَيِّدِنَا جِبْرِيلَ عَلَى قَلْبِ سَيِّدِ الكَائِنَاتِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالوَحْيِ المُقَدَّسِ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا.. أَنْتَ يَا وَالِدِي أَحَدُ أَعْظَمِ المُنَافِحِينَ عَنْ دِينِ اللهِ، وَكَأَنَّكَ أَتَيْتَ إِلَيْنَا مِنْ زَمَنِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لَعَمْرُكَ مَا الرَّزِيَّةُ هَدْمُ دَارٍ
وَلَا شَاةٌ تَمُوتُ وَلَا بَعِيرُ
وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةَ مَوْتُ حُرٍّ
يَمُوتُ لِمَوْتِهِ بَشَرٌ كَثِيرُ
الدُّنْيَا كُلُّهَا تَرْثِيكَ.. قَارَّاتُ الأَرْضِ تَتَحَدَّثُ عَنْ حُبِّكَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.. عَنْ إِيمَانِكَ وَخِصَالِكَ وَفَضَائِلِكَ وَزُهْدِكَ وَجُودِكَ وَعِلْمِكَ..
يَا بَابَا، أَمُوتُ فِي اليَوْمِ الوَاحِدِ مَلْيُونَ مَرَّةٍ.. وَلَا شِفَاءَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا الْتَقَيْنَا فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (سورة البقرة: 156).