الرئيسية / دراسات / ضوابط إستنباط أحكام الدعوة من السيرة النبوية

ضوابط إستنباط أحكام الدعوة من السيرة النبوية

بقلم الشيخ أبو طلال القاسمي

إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضلَّ ،ومن يُضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، وبعد :

لا يشك مسلم في وجوب الاقتداء برسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وكيف يشك وعنده كتاب الله – عز وجل – ينطق بذلك قائلاً : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً } . ؟!!

وإذا كان الإمام مالك – يرحمه الله – يقول : ” لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ” . فإن الدعاة إلى الله – عز وجل – العاملين لهذا الدين هم أكثر احتياجاً إلى تطبيق هذه القاعدة ، وكيف يتأتي لهم أن يقيموا شريعة الله ، وأن يعيدوا خلافة المسلمين دون أن يسلكوا طريق النبي ، صلى الله عليه وسلم ؟!!

ومن أجل هذا شرع بعض العاملين لهذا الدين في محاولة تلمس منهج للعمل الإسلامي ، من خلال سيرة النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وكان هذا في جملته اتجاهاً طيباً ، إذا كان هدفه تحقيق ما أسلفنا الإشارة إليه من وجوب الاقتداء بالنبي ، صلى الله عليه وسلم ، غير أننا رأينا في بعض هذه الكتابات تعسفاً في فهم بعض مواقف السيرة ، وتحميلاً لها ما لا تحتمل ، فهناك ضوابط ومحاذير ، ينبغي لمن أراد التصدي لهذا الأمر أن يتنبه إليها ، وقد رأينا أن يتضمنها هذا الموضوع لعل الله ينفع بها من يشاء من عباده ، فنقول وبالله التوفيق :

أولاً :
أول ما نُلفت النظر إليه هو أن قضايا الدعوة إلى الله ما هي إلا جزء من القضايا الشرعية التي يرجع في فهمها إلى كتاب الله ، وسنة رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، وليست شيئاً مبتوراً عن شرائع الدين ، وذلك لأن بعض من يتصدى لهذا الشأن يُخيّل إليه أن أمور الدعوة قد تخضع في جانب منها لنتائج التجارب البشرية ، التي قد تعارض أحياناً نصوصاً شرعية قطعية ، ثم يعمد هؤلاء إلى بعض مواقف السيرة فيحملونها ما لا تحتمل ؛ لتتوافق مع ما ظنوه صحيحاً بحكم التجربة البشرية .

ومن أمثلة ذلك أن بعض الدعاة – يغفر الله لنا ولهم – تعودوا زيارة النصارى في كنائسهم يوم عيدهم ، مهنئين إياهم بحلول عيدهم هذا ، وقد رأى هؤلاء – بناء على تجاربهم – أن هذا الصنيع يُضفي على دعوتهم قبولاً عند بعض الناس ، فيقولون عنهم : إنهم ليسوا متطرفين بل هم دعاة معتدلون ، وحين أنكرنا عليهم ذلك لجأ بعضهم إلى السيرة يستدل ببعض مواقفها على صحة ما ذهبوا إليه ، فقال : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قد سمح لوفد نصارى نجران أن يؤدوا صلاتهم في مسجده ، صلى الله صلى وسلم :

والحقيقة أن هذا النص في غير موضع النزاع ، فإن النزاع ليس في إدخالهم المسجد وتركهم يصلون فيه (1) ، إنما النزاع في دخولنا الكنيسة ، بغرض تهنئتهم بأعيادهم مما أجمع المسلمون على حرمته ، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم – يرحمه الله – : ” وأنا التهنئة بشعائر الكفر المختصة بهم فحرام بالاتفاق ، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقوا : عيد مبارك عليك ، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه ، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو المحرمات ، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب ، بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس ، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه .

وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ، ولا يدري قبح ما فعل ، فمن هنأ عبداً بمعصية أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه ” (2) .

هذا ، وإن في تهنئة الكفار بأعيادهم الشركية نوع من مودة وموالاة لهم ، وقد نهانا الله عن ذلك ، فقال : { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يُوَادّون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم . [ المجادلة ، الآية : 22 ] .

وقال : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم } . [ المائدة ، الآية : 51 ] .

ومن أجل ذلك نقول : إنه ينبغي على من أقدم على عمل في مجال الدعوة إلى الله أن يتأكد من موافقته للشرع ، ولا يجوز أن يقدم أحكام التجارب البشرية ، والتصورات الإنسانية على كتاب الله وسنة رسوله ، صلى الله عليه وسلم .

ثانياً :
يمكننا القول : إن الاستدلال بالسيرة النبوية ما هو إلا استدلال بالسنة النبوية في الجانب العملي منها ، فإن علماء الأصول لما حدّدوا لنا مصادر الأحكام الشرعية ، ذكروا لنا القرآن والسنة والإجماع . . . إلى آخر تلك المصادر ، وما وجدناهم يذكرون السيرة مصدراً للأحكام ، وما ذاك إلا لعلمهم أن سيرة النبي ، صلى الله عليه وسلم ، هي سنته ، وعلى ذلك ينبغي على من أراد استنباط الأحكام الشرعية من كتب السيرة أن يفعل ما يفعله لو كان يستدل بحديث من كتب السنة . . عليه أن يتأكد من صحة الحديث ، وأن يجمع ما ورد في الموضوع من أحاديث ، وربما يحتاج الأمر إلى جمع بين روايات ظاهرها التعارض ، أو يحتاج إلى بيان ناسخ ومنسوخ ، خصوصاً وأن غالبية السيرة لم تسلم من الروايات الضعيفة والواهية .

وهكذا فإنه لا يليق بباحث منصف أن يأخذ رواية قرأها في بعض كتب السيرة دون تمحيص ولا تدقيق ؛ ليستنبط منها حكماً شرعياً ، وكان الأولى به أن يُثبت صحة الرواية على حد قول القائل : ” أثبت العرش ثم انقش ” .

ومن أمثلة ذلك ما ذكره صاحب فقه السيرة عند الحديث عن عزوة حنين : ” من أن بعض الصحابة قالوا لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ادع الله على ثقيف ، فقال : ” اللهم اهد ثقيفاً وأت بهم ” (3) واستنتج من ذلك أن دعاء المسلمين لغيرهم لا ينبغي أن يكون إلا بالدعاء لهم بالهداية والإصلاح ، حيث قال : ” ومن ثم فإن الدعاء من المسلمين لا ينبغي أن يتجه إلى غيرهم إلا بالهداية والإصلاح ، لأن هذه الغاية هي الحكمة من مشروعية الجهاد ” (4) .

والحقيقة أن الرواية التي استند إليها الكاتب ضعيفة ، كما ذكر الشيخ الألباني – رحمه الله – وعلتها عنعنة أبي الزبير عند الترمذي ، ورواه أحمد بسند منقطع (5) ، ثم نقول : كيف يسوغ لنا أن نقول : إن دعاء السلمين على غيرهم لا ينبغي أن يتجه إلا بالهداية والإصلاح ، وقد ثبت أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، دعا في قنوته على رعل وذكوان لقتلهم القراء من صحابته ؟ وكان من قوله في ذلك : ” اللهم أشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف ” (6) .

وأما ترك الدعاء عليهم بعد ذلك ، فليس لنسخ الدعاء على الكافرين ، بل لانتهاء السبب الذي من أجله كان الدعاء ، كما قال ابن القيم – يرحمه الله – : ” وإنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم وللدعاء على آخرين ، ثم تركه لما قدم من دعا لهم ، وتخلصوا من الأسر ، وأسلم من دعا عليهم وجاءوا تائبين ” (7) . ويدل على ذلك ماله أبو هريرة في تتمة الحديث السابق : ” وأصبح ذات يوم فلم يدع عليهم ، فذكرت له فقال : ” أوما تراهم قد قدموا ” (8) .

وعلى المستوى نفسه نقول : إنه لا يصح الإعراض عن روايات السيرة الصحيحة بحجة أنها لا توافق المقاصد العامة للشريعة بزعمهم ، كما فعل الشيخ محمد العزالي حين اعتمد هذا المنهج في كتابه المسمى : ” فقه السيرة ” – أيضاً – ، فقد ذكر في أول كتابه هذا : أنه رفض رواية أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، أغار على بني المصطلق وهم غارون ، وقال في ذلك : ” لا أرى أن يلزمني أحد بقبول ما رواه الشيخان من عبد الله بن عون قال : كتبت إلى نافع – يرحمه الله – أسأله عن الدعاء قبل القتال فكتب إليَّ : إنما كان ذلك في أول الإسلام ، وقد أغار – عليه الصلاة والسلام – على بني المصطلق وهم غارون ، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية . قال حدثني عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش ” (9) .

وقال في بيان منهجه هذا ” . . . فقبلت الأثر الذي يستقيم متنه مع ما صحّ من قواعد وأحكام ، وإن وهي سنده ، وأعرضت عن أحاديث أخرى توصف بالصحة لأنها في فهمي لدين الله وسياسة الدعوة لم تنسجم مع السياق العام ” (10) .

ولا شك أن هذا منهج باطل في دراسة الحديث والسيرة ، وحاشاه ، صلى الله عليه وسلم ، أن يقول قولاً أو يفعل فعلاً يُخالف مقاصد الشريعة ، ولكن الخطأ إنما يأتي من الفهم القاصر ، وتحكيم العقول في نصوص الشرع الحنيف قبولاً ورداً ، فإن كونه ، صلى الله عليه وسلم ، أغار على بني المصطلق وهم غارون ، فهذا ثابت لاشك فيه (11) . القول بأن مباغتتهم بالإغارة دون إعلان سابق مخالف للنصوص العامة القاضية بوجوب الدعوة قبل القتال ، هذا القول غير صحيح ، لأن وجوب الدعوة قبل القتال إنما هو في حق من لم تبلغه الدعوة ، أما من بلغته فيجوز قتاله من غير دعوة ، قال الصنعاني في شرح حديث عائشة والذي فيه :

” وإذا لقيت عدوك من المشركين ، فادعهم إلى ثلاث خصال ، فأيتهن أجابوك إليها فأقبل منهم وكفّ عنهم : ادعهم إلى الإسلام . . ” (12) الحديث . قال : ” ودلّ على أنه يدعو أمير المشركين إلى الإسلام قبل قتالهم ، وظاهره وإن كان قد بلغتهم الدعوة ، لكن مع بلوغها يحمل على الاستحباب كما دلّ له إغارته ، صلى الله عليه وسلم ، على بني المصطلق وهم غارون ” (13) أهـ . وبذا يجمع بين النصوص ، ولا يضرب بعضها ببعض هذا بالنسبة للجزء الخاص برده أحاديث صحيحة لم تنسجم – بزعمه – مع السياق العام . وأما بالنسبة للجزء الخاص باعتماده أحاديث وَهِيَ سندها ولكن استقام متنها – على حدّ قوله – فقد بينا خطأ ذلك في السطور السابقة .

ثالثاً :
ومن ذلك يجب التفطن لقضية المرحلية في سيرة النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أو ما يدخل في معنى النسخ في اصطلاح الأصوليين ، فإن البعض يتوقف عند مرحلة معينة من مراحل السيرة ليستدلّ منها على حكم يفتي به في عصرنا ، مستغلا تشابهاً بين ظروفنا وبين تلك المرحلة .

ومن ذلك : ما يردّده البعض من دعم جواز الاشتغال بالعمل الجهادي في هذه الأيام ، بدعوى أننا في عصر استضعاف ، وأن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، في العصر المكي ( عصر الاستضعاف ) لم يكن جهاده إلا بالقول والبيان ، وأما الجهاد بالسلاح فلم يبدأ إلا بعد قيام الدولة ومجيء عصر التمكين !!

ولم أكن لأعير هذه الشبهة اهتماماً لولا أني وجدت بعض العلماء قد أفتى بذلك في ” مجلة المسلمون ” ! وقال قولاً كهذا الكلام (13) وهذا – والله أعلم – استدلال فاسد ، إذ العبرة بما استقرّ عليه الأمر في آخر حياة الرسول ، صلى الله عليه وسلم – لم يجاهد في مكة ، لأنه كان مأموراً بالصبر والصفح ، ولم يكن الجهاد قد شرع بعد ، ثم شرع الجهاد ، ومرّ ذلك بمراحل لخصها ابن القيم – يرحمه الله – في قوله ” وكان – أي الجهاد – محرماً في مأذوناً به ثم مأموراً به لمن بدأهم بالقتال ثم مأموراً به لجميع المشركين ” (14) .

وكانت نهاية تلك المراحل هي فرضية الجهاد كما في آية السيف : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد } [ التوبة ، الآية : 5 ] .
وفي قوله – تعالى – : { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } [ التوبة ، الآية : 36 ] .

ولو صحّ هذا الذي ذهبوا إليه ؛ لصحّ لقائل أن يقول : ” إنني الآن لا أصوم ولا أزكي ؛ لأننا الآن في عصر يشبه العصر المكي ، والصيام والزكاة ، لم يشرعا إلا في العصر المدني ، وإن قالوا : لا نقول بذلك في الصيام والزكاة ونقول به في الجهاد والدعوة . نقول : ومن أين جاء هذا الاستثناء ؟ أوليس هذا تشريعاً أيضاً ؟!

ولو أن صاحب هذه الفتوى قال : بأن الجهاد واجب ولكنه يسقط عند عدم القدرة عليه ، فإن الله لا يكلّف نفساً إلا وسعها ؛ لكان قوله حرياً بالقبول ، ونقول له حينئذ : إنه إذا سقط الجهاد لعدم القدرة عليه وجب الإعداد ، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية – يرحمه الله – ونقول له – أيضاً – : إن القدرة أمر نسبي يختلف من مكان لمكان ، فقد تقدر جماعة في بلد على الجهاد في حين لا تقدر جماعة في بلد آخر ، فيجب على القادرة مالا يجب على غير القادرة والله أعلم .

وقريب من ذلك ما ذكره بعضهم من عدم جواز الانشغال بتغيير المنكر باليد في أيامنا هذه ؛ لأننا في حال الاستضعاف مستدلاً بأن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، لم يكسر الأصنام في العصر المكي ، وإنما كسرها بعد التمكين في عام الفتح .

ونقول هنا ما قلناه آنفاً من أن الدين قد كمل ، ونحن مطالبون بآخر أمره ، صلى الله عليه وسلم ، فإن لم نقدر على شيء منه فإن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : ” ما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ” (15) .

ونضيف إلى ذلك أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، لم يحطّم الأصنام جملة ، ليس لأنه لا يجوز تكسير الأصنام في العصر المكي ، بل لعدم قدرته على تحطيمها في العصر المكي ، ودليل ذلك ما رواه علي – رضي الله عنه – قال : ” انطلقت أنا ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حتى أتينا الكعبة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اجلس ، وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفاً ، فنزل وجلس نبي الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقال : اصعد على منكبي ، قال : فصعدت على منكبه ، قال : فنهض بي ، قال : فإنه يخيل إليّ أني لو شئت نلت أفق السماء ، حتى صدعت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى إذا استمكنت منه قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ” اقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير ، ثم نزلت ، فانطلقنا أنا ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس ” (16) .

فهذا الحديث يبين أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، قد حطّم صنماً وهو في العصر المكي ، وبالتالي فليس شرطاً في تغيير المنكر باليد أن يكون المسلمون في حالة تمكين ، وقد أمرنا الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، أمراً عاماً بتغيير ما نراه من المنكرات فقال : ” من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ” (17) . فالأمر مرهون إذن بالاستطاعة وليس بقيام الدولة أو عدمه .

ولو قال هذا القائل : إن تغيير المنكر واجب على المسلمين في كل حين ، ولكن يحرم التغيير إن أدى إلى منكر أكبر ، لكان قوله مقبولاً ، وقد قال ابن تيمية بذلك ، وضرب لذلك مثلاً فقال : ” ومن هذا الباب ترك النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لعبد الله بن أبي سلول وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان ، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم ، وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقتل أصحابه ” (18) . ولكن يجب أن يعلم أن قياس المصالح والمفاسد إنما يكون بمقياس الشرع ، لا بمقياس العقول والأهواء ، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك : ” لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة ، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها ، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر ” (19) .

وإنما نبهت على ذلك لأن الكثيرين يخطئون في قياس المصلحة والمفسدة ، ومنهم من يظن الإيذاء الذي قد يلحق بمن يُغيّر المنكر ، يظنّه مفسدة توجب التوقف عن التغيير ، وليس ذلك صحيح ، فإن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ” سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ” (20) . فجعل الذي يموت بسبب كلمة حق يقولها ، إنكاراً لمنكر ، شهيداً بل هو سيد الشهداء .

رابعاً :
هناك أمور حدثت في حياته ، صلى الله عليه وسلم ، قدراً ، ولم تكن تشريعاً للأمة ، فلا يصح أن يتخذ منها حكماً شرعياً عاماً ، ومثال ذلك ما قرأته لأحدهم في رسالة غير منشورة : من أننا نستفيد من كون النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بُعث في سن الأربعين أنه لا يصح إسناد القيادة العامة للدعوة بأي حال من الأحوال لمن هو دون سن الأربعين !! وإذا تجاوزنا تعبير ” القيادة العامة للدعوة ” الذي لا نجد له أصلاً في كتب السلف ، فإننا نقول : إن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، بُعث في سن الأربعين ، وقد قال ابن القيم – يرحمه الله – : ” بعثه الله على رأس أربعين سنة ، وهي رأس الكمال ، قيل : ولها تبعث الرسل ، وأما ما يُذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة ، فهذا لا يعرف له أثر متصل يجب المصير إليه ” (21) ، ومعلوم أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، كما أنه كان من مهامه الدعوة ، فكذلك كان من مهامه قيادة جيش المسلمين ، وكان من مهامه رئاسة الأمة الإسلامية ، فهل يشترط في قيادة الجيش ورئاسة الأمة سم الأربعين ؟ إن قلت : نعم ، فقد خالفت النصوص وفعل السلف ، فإن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، اختار أسامة بن زيد قائداً للجيش ، ولم يكن عمره قد تجاوز السابعة عشرة ، وإن المسلمين اختاروا عمر بن عبد العزيز خليفة لهم ، وهو دون الأربعين ، ولم يُنكر خلافته أحد من التابعين في عصره ، ولا من بعدهم من الفقهاء ، بل أعدّه المسلمون خامس الخلفاء الراشدين ، وإن قلت : لا أشترط ذلك في قيادة جيش المسلمين ورئاسة الجيش ! فنسألك ، لِكمَ فرقت بين أمر الدعوة وبين هذين الأمرين ؟! فتفريقك هذا تحكم لا دليل عليه ، والحاصل أن سن الأربعين هذا هو شيء قدري مخصوص بأمر الوحي والنبوة ، فلا يقاس عليها أمر الدعوة أو غيرها .

وبعد ، فهذه بعض المزالق التي قد يقع فيها من يحاول استنباط أحكام الدعوة من السيرة النبوية ، أحياناً يجرّه إلى تلك المزالق الجهل ، وفي أحيان أخرى يجرّه اتباع الهوى ، أو التعصب لجماعة أو مذهب ، نسأل الله السلامة من تلك المزالق . ونستغفر الله من قبل ومن بعد . والله أعلم بالصواب .
[من اوراق مجلة المرابطون / بيشاور]

هـوامش
(1) ومع ذلك فقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد : أن ذلك كان أمراً عارضاً ولا يمكن لأهل الكتاب من اعتياد ذلك : ” انظر زاد المعاد لابن القيم (3/42) ” .
(2) أحكام أهل الذمة لابن القيم (1/205) .
(3) رواه الترمذي وأحمد .
(4) فقه السيرة للبوطي ص 395 ط ، دار الفكر .
(5) انظر : في ذلك رد الألباني على كتاب فقه السيرة للبوطي ص 7 .
(6) متفق عليه من حديث أبي هريرة .
(7) زاد المعاد لابن القيم (1/69) .
(8) متفق عليه .
(9) فقه السيرة للغزالي ص 12 ط . دار الفكر الحديثة .
(01) المصدر السابق ص 13 .
(11) الحديث متفق عليه .
(21) أخرجه مسلم من حديث عائشة – رضي الله عنها – .
(31) سبل السلام ص 1431 .
(41) للأسف الشديد فإنه ليس تحت يدي الآن ذلك العدد من المجلة المذكورة لأثبت الكلام بنصه .
(51) متفق عليه .
(61) رواه أحمد (1/84) وصححه الشيخ أحمد شاكر – يرحمه الله – وقال : ” ومن الواضح أن هذه القصة كانت قبل الهجرة ( انظر : المسند بتحقيق : أحمد شاكر (2/75) حديث رقم 644 ) .
(71) رواه مسلم (49) كتاب الإيمان باب كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإيمان .
(81) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية ص 33 .
(91) المصدر السابق ص 31 .
(02) رواه الحاكم ، وقال صحيح الإسناد ، وهو مخرج في السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني برقم 374 .
(12) زاد المعاد (1/19) .

عن المحرر

شاهد أيضاً

منهج التوثيق وإثبات الحقائق في دراسة التاريخ الإسلامي

منهج التوثيق وإثبات الحقائق في دراسة التاريخ الإسلامي د. محمد أمحزون أ- دراسة الإسناد الإسناد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *