الرئيسية / المنبر الحر / المدرسة العصرانية مفهومها ونشأتها.. خصائصها ومزاعمها

المدرسة العصرانية مفهومها ونشأتها.. خصائصها ومزاعمها

المدرسة العصرانية

مفهومها ونشأتها.. خصائصها ومزاعمها

 

محمد حامد الناصر

 

طلع علينا عدد من الكتاب خلال النـصـف الـثـانـي مـــن القرن العشرين، وتجمعوا تحت شعارات براقة مثل: الدعوة إلى (الفكر الديني المستنير)، و(شـعـار الاستنارة) وطلعت علينا أسماء رنانة يحمل كل منهم لقب (المفكر الإسلامي الكبير) أو (الـمــؤرخ الإسـلامي الكبير) ونحـو ذلك.

وقد أسهـم أعــــداء الأمة من المستشرقين والمنصّرين في تلميع هذه الأسماء أمام جـمـهــــرة المسلمين.

وكان هذا التيار يمثل جبهة الاتجاهات الفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، رافعاً شـعـار (الـتـجـديـد) أو (الاسـتـنـــارة)، ويخفي حقيقة دعوته عن الأمة، والتي هي عند التمحيص ليست إلا وجهاً من وجوه (العلمانية).

* والعصرانيون ليسوا سواء:

فهناك من يصدر في كتاباته عن نية صريحة في هدم الإسلام، متأثراً بأفكار قومية علمانية، أو يسارية شيوعية.

وهناك من يحاول إثارة الارتباك فـي أفـكــــار الإسلاميين عن طريــق شغلهم باصطلاحات مبتدعة صعبة الضبط، أو عن طريق قلب مواقـــــف التراث بأفـكــاره وحـــركاته، فيجعل المنحرفين والضّلاّل أصحاب انفتاح وثورة، في حيـن يـجـعــــل علماء الإســـلام أهل جمود ورجعية.

وأكـثــر العـصــرانيين في هذه المرحلة من هذا الصنف. ومنهم من يصدر في معالجته لقضايا الإسلام عن مصلحة سياسية يعمل من أجلها، فيركب الموجة في إعلان حربه على أصحاب الصحوة الإسلامـيــة مـتـأثـراً بالأهواء الرخيصة. ومنهم من يصدر عن حسن نية، محاولاً الاجتهاد، إلا أنه يبقى مشدوداً إلى تصورات المناهج الغربية التي تلقاها خلال دراسته أو ابتعاثه إلى ديار الغرب، أو يظل متأثراً بأفكار المعتزلة، أو يكون ممن جُمعت هذه كلها في عقليته، فوقع في الاضطراب والخلل والتناقض.

وكان من هؤلاء ـ مع الأســف ـ بعض رموز العمل الإسلامي الحديث، الذين نرجو لهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يعوا حقيقة المعركة مع العلمانيين وأبعاد هذا الصراع معهم(1).

* فما حقيقة التجديد عند هؤلاء العصرانيين؟

لقد زعم أصحاب هذه الـمـدرسة أنهم يريدون التجديد لتنهض الأمة من كبوتها، ويريدون إعادة كتابة التاريخ الإســلامـــــي من خلال طرح العديد من الدراسات والأبحاث المتعلقة بالتراث؛ إلا أنهم عمدوا إلى إحياء وتمجيد الاتجاهات الفكرية المنحرفة، وعرضها في إطار عقلاني تحت مظلة الانتماء إلى التراث الإسلامي.

ثم قاموا بطرح العديد من الـشـعـــــارات الجـديـــدة التي تصل بين مفهومهم عن الإسلام والماركسية، أو القومية والاشتراكية، أو بين الإســـلام والديمقراطية الغربية… مما يشتت جهود الانطلاقة نحو الإسلام(2).

والحقـيـقـة أن هؤلاء ساروا على خطا من سبقهم من المعتزلة الجُدد و (المدرسة الإصلاحية) بزعامة الـشـيـخ محمد عبده، ورددوا آراء المستشرقين، ونسبوا كل ذلك إلى أنفسهم، وقلما أشاروا في كتاباتهم إلى هذه الجذور المريبة(3).

* فما المقصود بالعصرانية وكيف نشأت؟!

(إنها حركة تحديث واسعة نشطت في داخل الأديان الكبرى، داخل اليهودية، وداخل النصرانية، وداخـــل الإسلام أيضاً، إن هذه الحركة عرفت في الفكر الديني الغربي باسم العصرانية (Modernism) وكلمة عصرانية هنا لا تعني مجرد الانتماء إلى هذا العصر ولكنها مصطلح خـــــاص؛ إذ تعني العصرانية في الدين: وجهة نظر في الدين مبنية على الاعتقاد بأن التقدم العـلـمـي والـثـقـافــة المعاصرة يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة)(4).

(وهي الحركة التي سعت إلى تطويع مـبـادئ الـديـــن لقيم الحضارة الغربية ومفاهيمها ـ والتي هي ربيبة الثقافة اليونانية ـ وإخـضـــــاع الدين لتصوراتها ووجهة نظرها في شؤون الحياة)(5).

وقد كان للصراع بين الكنيسة والنهضة الحديثة أثر قوي في ظهور العصرانية لدى النصارى بشكل خاص.

* العصرانية عند اليهود(6):

بدأت في أوائــل الـقـــرن التاسع عشر الميلادي في ألمانيا نزعات جديدة تظهر بين اليهود، تكونت منها فيما بعد فــرقـــــة جـديــدة عرفت باسم (اليهودية المتحررة)، وتسمى أيضاً اليهودية التجديدية أو (الإصلاحية).

وكــان ذلك يتم للملاءمة بين الديانة اليهودية ومعطيات الحضارة الغربية الجديدة.

وكـــان الــدافــع لهذه الحركة هو رغبة اليهود في اللحاق بركب العصر، ثم ألف زعيمها (مندلسون) العديد من الكتب، وكان شعاره في ذلك:(الاستجابة للعادات وأعراف المجتمع العصرية، مع المحافظة والإخلاص لدين الآباء).

وكان من شعارات هذه الحركة: (أن الدنيا كلها تتغير من حولنا فلماذا نتخلف نحن؟!).

أخي القارئ: سوف تلاحظ فيما يأتي أن بعض العصرانيين المسلمين يكررون المقولة نفسها وبأشـكــال مـخـتـلـفة. ومما يؤسف له أنك تلاحظ أن هناك قاسماً مشتركاً بين العصرانيين اليهود والنصارى والمسلمين.

وتطورت هذه الحركة اليهودية على يد جيل من المفكرين من أحبار اليهود؛ فيرى (هولد هايما) مثلاً، أن الشريعة الإلهية موقوتة بظروفها وينبغي إيجاد تشريعات بديلة عنها!

ويرى آخرون: (أن جوهر اليهودية ليست أشكالها ولا حتى شريعتها، ولكن جوهرها هو أخلاقها).

وقد وجدت هذه الحركة ضجة كبيرة وسط اليهود، حتى إن بعضهم كان يرى أن موت اليهودية هو تطويعها لمبادئ العصر وإلى هذا التطور المتحرر من كل قيد.

* التجديد العصراني للنصرانية(7):

في الوقت نفسه الذي كانت تزدهر فيه حركة التجديد في اليهودية، كانت النصرانية بشقيها: الكاثوليكي والبروتستانتي تشهد تطورات مماثلة تشترك في الهدف نفسه، وهو إيجاد التآلف بين إيمان الآباء وبين أفكار العالم الحديث ومنطلقاته المتطورة.

يقول أحد كُتّاب الغرب ممن سجلوا هذه الظاهرة، وهو (جون راندال) في كتابه: (تكوين العقل الحديث): (إن الذين دعوا أنفسهم بالمتدينين الأحرار في كل فرقة دينية سواء بين البروتستانت أو اليهود، أو حتى الكاثوليك قد ذهبوا إلى القول بأنه ـ وإن كان للدين أن يُشكّل حقيقة حية، وإذا كان له أن يظل تعبيراً دائماً عن الحاجات الدينية للجنس البشري ـ فلا بد له أن يتمثل الحقيقة والمعرفة الجديدتين، وأن يتآلف مع الشروط المتغيرة في العصر الحديث من فكرية واجتماعية)(8).

(فالعصرانية تقيم نظرتها على رفض سلطة المنقول؛ لأنه يناقض ما أثبته العلم الحديث في نظرها، وتدعي أن المنقول سواء تمثل في الأناجيل أو في شروحها، ما هو إلا تعبير عن التطور المرحلي للفكر الديني في العصر الذي كتب فيه… وبناء على هذا يعتقد أن الحقائق الدينية تخضع لتفسيرات متطورة حسب تقدم المعرفة البشرية، وكلما تقدمت المعرفة، حدثت تصورات جديدة لحقائق الدين)(9).

ويؤكد هذا المفهوم في تطور الحقائق الدينية بلا ضوابط ثابتة قول أحد كتاب الإنجليز (ثرنون ستور): (العصرانية هي تلك المحاولات التي تبذلها مجموعة من المفكرين لتقديم حقائق الدين المسيحي في قوالب المعرفة المعاصرة. إننا الآن لا نلبس ملابس أجدادنا، ولا نتكلم لغتهم، فلماذا في ميدان اللاهوت نُكرهَ على أن نفكر بعقول العصور البالية.. الويل للكنيسة التي تغمض عينيها فتعمى عن رؤية نعمة المعرفة الجديدة)(10).

وهؤلاء الآباء نقدوا التوراة والإنجيل في إطار ما سمي بالنقد التاريخي؛ إذ يؤكد الراهب (بلويزيا) (أن الأناجيل في صورتها الحالية تشتمل على مجموعة من الأساطير والخرافات؛ لهذا لا يمكن أن تكون هي كلمات الله المقدسة، ومن هذه كل ما هو غيبي وخارق للطبيعة). وكان من نتائج هذا النقد التاريخي أن دخلت فكرة التطور في تعاليم الدين، ويتبع ذلك مفهوم نسبية الحقيقة)(11).

وفي الوقت نفسه سار التجديد في البروتستانتية الحرة، وتوصلوا إلى النتائج السابقة نفسها عند الكاثوليك الأحرار، وقالوا: إن الكتاب المقدس خليط مما هو إلهي وبشري، وكان عيسى ـ عليه السلام ـ مجرد بشر.

ومن الملاحظ أن (البابا) (بيوس العاشر) كان قد أصدر منشورين عن الحركة العصرانية عام (1907م) ودمغها بالكفر والإلحاد، ووصفها بأنها (مركب جديـد لكل عناصـر البـدع والهـرطقة القديمة)(12).

ومن المتناقضات العجيبة أن هذه القصة بكل فصولها نقلت إلينا من الغرب، فظهرت لها نزعات مشابهة في العالم الإسلامي منذ القرن الماضي عند بعض المتغربين… فنادوا بتفسير بعض القضايا الإسلامية تفسيراً عقلانياً، وحاولوا إخضاع القرآن والسنة للمقاييس المادية حتى تتلاءم مع منهج الغرب وقيم الحضارة الحديثة التي بهرت كثيراً من الذين كانوا يرونها المقياس الوحيد لكل نهوض وتقدم.

والذي سمى هؤلاء (مجددين) إنما هو الاستعمار وتلاميذه وعملاؤه من المستشرقين والمنصّرين… هؤلاء (المجددون) هم الذين سخر منهم الرافعي ـ رحمه الله ـ حين دخل معركته معهم في كتابه: (تحت راية القرآن) وقال: (إنهم يريدون أن يجددوا الدين واللغة والشمس والقمر)(13).

* خصائص المدرسة العصرانية (الإسلامية):

يتلخص منهج العصرانيين المتحدثين باسم الإسلام في قاعدتين أساسيتين هما:

أولاً: دعوى تطوير الدين ليساير ـ بزعمهم ـ الحضارات الوافدة:

لقد دأب هؤلاء على محاولات تطويع نصوص الشريعة حتى تساير معطيات الحضارة المادية، واتبعوا في ذلك آراء المستشرقين من اليهود والنصارى(14).

وقد سار على نهج العصرانية المتحررة عدد من كُتّاب المسلمين، وظهرت لهم مؤلفات عديدة في هذا المجال؛ من ذلك كتاب: (الفكر الإسلامي والتطور) للدكتور محمد فتحي عثمان.

والكتاب كما يقول صاحبه: (محاولة لمناقشة قابلية الإسلام في أصوله للتطور، ورصيد المسلمين التاريخي في التطور، والواقع المعاصر، واحتياجنا للوعي بحقيقة التطور عندنا وعند غيرنا)(15).

وتظهر خلفية الكتاب الفكرية فيما يورده الكاتب من أمثلة لتطور الفكر الديمقراطي في الغرب، والفكر الاشتراكي، وتعدد مدارسه،… ثم يتساءل: (لماذا يُكتب على الفكر الإسلامي وحده الجمود؟)(16).

ويرى الكاتب (أن التطور مسألة حتمية في كل شيء… ولا تصح التجْرِبة المثالية للدين في عصر الخلفاء الراشدين… إنها تَجْرِبة مثالية بالنسبة لظروف الخلفاء الراشدين السائدة في وقتهم، وبالنسبة لتفكيرهم وزمانهم وأقوامهم!).

(ويستلزم من أجل ذلك ترجمة جديدة، وإعادة تقدير للحقائق الأساسية للعقيدة،… ويجب أن نصحح منهجنا للدين كل سنة وكل شهر وكل يوم وكل لحظة ـ وليس كل مائة سنة ـ لأن المعرفة لا نهاية لآفاقها، ولأن التقدم الإنساني لا تَوَقّفَ لسيره)(17).

وفي الأقوال السابقة مغالطات كثيرة:

فالعقل الإنساني هو الطريق إلى تلقِّي الدين ومنهجه وتطبيقه، وهو مقيد بشروط مجمع عليها عند علماء الأمة، كالعلم بالعربية وبمقاصد الشريعة…

وهناك كُتّاب آخرون ناقشوا قضية التطور وعلاقتها بالتجديد وبالدين عموماً:

منهم: (أمين الخولي) في كتابه (المجددون) إذ يقول فيه: (إننا ننتهي باطمئنان إلى أن التجديد الديني إنما هو تطور، والتطور الديني هو نهاية التجديد الحق)(18).

أما الشيخ عبد الله العلايلي: مفتي لبنان الأسبق، فيقدم لنا في كتابه: (أين الخطأ؟) مجموعة من الأخطاء يريد تصحيحها مثل: إباحة التعامل المصرفي، وأنه لا رجم في الإسلام، وأن الزواج المختلط بين المسلمين والكتابيين رجالهم ونسائهم حلال شرعاً)(19).

وللدكتور حسن الترابي آراء في مجال تطوير الدين نقتطف منها بعض أقواله، يقول الدكتور حول موقفه من أفكار السلف: (فأفكار السلف الصالح ونظمهم قد يتجاوزها الزمن، من جراء قضائها على الأمراض التي نشأت من أجلها، وانتصارها على التحديات التي كانت استجابة لها).

ويتساءل بعدها: (ولكن المرء لا يعرف اليوم تماماً كيف يعبد الله في التجارة أو السياسة أو يعبد الله في الفن) ويؤكد الدكتور آراءه بقوله: (ومهما كان تاريخ السلف الصالح امتداداً لأصول الشرع، فإنه لا ينبغي أن يوقر بانفعال يحجب تلك الأصول، فما وجد في تراث الأمة بعد الرسول ابتداءً بأبي بكر فهو تاريخ يستأنس به؛ فما أفتى به الخلفاء الراشدون ـ مثلاً ـ، والمذاهب الأربعة في الفقه، وكل التراث الفكري الذي خلفه السلف الصالح في أمور الدين، هو تراث لا يُلتزم به، وإنما يُستأنس به في فهم سليم لشريعة تنزّلت في الماضي على واقع متحرك، وهي تُنزّل اليوم عى واقع متحرك)(20).

والدكتور الترابي يخالف بأقواله هذه ما كان عليه علماء الأمة..

ومعلوم بالضرورة أنه على المسلمين أن يقتدوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أقواله وأفعاله، وأن يقتدوا بأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ لقوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضّوا عليها بالنواجذ)(21).

* وقفة مع دعاة التطور:

إن التطور يعتبر طبيعياً إذا كان اجتهاداً في الفروع وما يسع الخلاف فـيـــــــه، وليس في الأصول المعلومة من الدين بالضرورة، أما إذا استجاب الدين لكل تفسير، فذلـك يـعـنـــي تـجـــاوزه إلـى عـقــول البشر ويعني العلمانية، أي فصل الدين عن الحياة باسم التجديد والتطوير.

ولـو صـدق هذا الأمر على اليهودية والنصرانية بسبب ظروف تاريخية، وبسبب ما حصل فيـهـمـــــا من تحريف؛ فإن هذا لا ينطبق على الإسلام أبداً، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

والـتـطـــور التشريعي نوعان: منه ما هو إداري بحت، يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ومن ذلك ما عمله عمر ـ رضي الله عنه ـ في ديوان الجند، وشراؤه دار صفوان بن أمية وجعلها سجناً في مكة المكرمة، مع أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يتـخــذ سجناً ولا أبو بكر؛ فهذا النوع من الأنظمة لا يخرج عن قواعد الشرع ومراعاة المصالح العامة)(22).

وهذا مـمـــا يدخـــل تـحــت أحكام الشريعة عن طريق المصالح المرسلة، وهي أحكام تقرها الشريعة السمحة بضوابط معتبرة.

أما النوع الثاني من الأنظمة، المتمثل في القوانين الوضعية، التي تحرم ما أحل الله، وتحل ما حرم الله، فإن إقراره كفر بخالق السموات والأرض وذلك بإجمــــاع المسلمين، وإذا كان التطور على حساب العقيدة والشريعة فذلك خروج على الدين ولا شك.

ثانياً: تقديس العقل عند العصرانيين:

وهذه هي الآفة الكبرى الثانية التي تميز هذه المدرسة؛ فقد سار العصرانيون الجـــدد على خُطا من سبقهم من المعتزلة وأهل الكلام والفلسفة؛ حيث إنهم اعتبروا العقل مبدأ أصـــول العلم، وجعلوا الوحي تابعاً له، بل حكّموا العقل في نصوص الشرع، فلا يقبلون منها إلا ما أيّده العقل ووافقه، ويرفضون منها ما عارضه وخالفه.

ويتفـق أصحاب (الاستنارة) عامة على إعلاء دور العقل وافتراض الصراع بينه وبين النقل؛ وما ذلـك إلا مـــــن أجل تنفيذ رغبتهم في تطوير الشريعة أو تجاوز نصوصها، وفيما يأتي شواهد من أقوال بعض العصرانيين، تبين مدى تضخيم دور العقل.

فالدكتور محمد أحمد خلف الله يقرر أن: (البشرية لم تعد في حاجة إلى قيادتها في الأرض باسم السماء؛ فلقد بـلـغـت ســـن الرشد، وآن لها أن تباشر شؤونها بنفسها)(23). ويقول في كتاب آخر: (ولقد حرر الإسلام العقل البشري من سلطان النبوة، من حيث إعلان إنهائها كلية وتخليص البشرية منها)(24). اللهم غفرانك مما يقولون.

وإنه لشرود عجيب عن الدين لـدى هــؤلاء الـقــوم، وهــو إنكـار صريح وتمرد صفيق على سلطان الله ـ سبحانه ـ ومكانة النبوة.

وبـعـبــارة مبهمة يقرر الدكتور محمد عمارة هذه المسألة؛ إذ يعتبر أن البشرية وصلت سن الرشد فعلاً فيقول: (لقد انقضى زمن الوحي وبلغت الإنسانية سن الرشد، وأوكلـها الله إلى وكيله عـنـدهـــا: الكـتـاب ـ وهــو القرآن الكريم ـ والعقل الذي جعله الله من أجلّ القوى الإنسانية، بل أجلها على الإطلاق)(25).

ويضخم الدكتور الترابي دور العقـل في كتاباته، ليساير به ما جدّ من أمور الحياة المتطورة فيقول: (ولم تعد بعض صور الأحكــام الـتـي كـانـت فـي معيار الدين منذ ألف عام تحقق مقتضى الدين اليوم… لأن أسباب الحياة قد تطورت… وقد تزايد المتداول في العلوم العقلية المعاصرة بأقدار عظيمة، وأصبح لزاماً علينا أن نقف في فـقـه الإسلام وقفة جديدة، لنسخر العلم كله لعبادة الله… )(26).

ويـظـهــر تقـديــس العقل، بل وتأليه أحكامه عند أصحاب اتجاه اليسار الإسلامي ـ كما يسمون أنفسهم ـ فقد حاربوا النصوص الشرعية بشدة؛ لأنها تعيق أنطلاقهم، بل انفلاتهم من ربقة الدين…

يـقـــول د. حـســـن حنفي أحد أقطاب هذا الاتجاه: (إن العقل هو أساس النقل، وكل ما عارض العقل فإنــه يـعـــارض النقل… ظهر ذلك عند المعتزلة وعند الفلاسفة…) ثم يقول مهاجماً ثوابت الشريـعـــــــة: (لقد احتمينا بالنصوص فجاءنا اللصوص)(27) وهكذا تحول المؤمنون بالنص إلى (لصوص) عند الدكتور حنفي!

وأصدر حنفي كتاباً تحت عـنـــوان: (قـضـايــا معاصرة في فكرنا المعاصر) بث فيه الشكوك والإلحاد، ويرى أن العقل ما كان في حاجة إلى الشرع؛ لأن الإنسان لا يحتاج إلى الوحي. وقد وصلت به الحماقة إلى أن يقول: (يمكن للمسلم المعاصر أن ينكر كل الجانب الغيبي في الدين ويكون مسلماً حقاً في سلوكه)(28) ويتناسى هذا الكاتب أن الإيمان بالغيب من أركان الإيمان.

هكذا آمن أساطين العصرانية بالعقل على حساب النصوص الشرعية، وفرّط بعضهم، وغالى آخرون في هذا الجانب حتى وصلوا إلى الردة والضلال؛ والعياذ بالله.

العلاقة بين الشرع والعقل في الإسلام:

تـجـاهــــل العصرانيون قيمة العقل فـي الإسـلام فوقعـوا في مزالق خطيرة؛ قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ: (اهـتـم الإســـلام بالعقل اهتماماً بالغاً وجعله مناط التكليف، فإذا فُقِد ارتفع التكليف، ويُعَد فاقده كالبهيمة لا تكليف عليه)(28).

وليس ثمة عقيدة تقوم على احـتـرام الـعـقــل الإنساني وتعتمد عليه في ترسيخها كالعقيدة الإسلامية، وليس هناك من كتاب أطـلـق ســــراح العقل وأعلى من قيمته وكرامته كالقرآن الكريم: ((لعلكم تعقلون))، ((لقوم يتفكرون))، ((لـقــــوم يفقهون))، إلا أن للعقل مجالاته وحدوده؛ لأنه محدود الطاقات فلا يستطيع أن يدرك كـــــل الحقائق مهما أوتي من قدرة على الاستيعاب، فأقام الإسلام العقل مع الاستسلام والامـتـثــــال للأمر الشرعي الصريح، حتى ولو لم يدرك الحكمة والسبب في ذلك، كأمور الغيب ـ مـثـــــلاً ـ والروح، وما شابه ذلك، وقد كانت أول معصية لله ارتكبت بسبب عدم هذا الامتثال مـــن قبل إبليس ـ لعنه الله(29).

والـواقـع أن التعارض بين العقول السليمة وبين الشرع غير موجود، قال ابن تيمية رحمه الله: (مــا عُـلـم بـصـريـح العقل لا يُتصور أن يعارض الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قــط… ويقول: (ووجدت ما يُعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه: إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة)(30). ويقول ـ أيضاً ـ: (وعلى المعتزلة الذين حكّـمـوا عقولهم في نصوص الوحي، ومن سار على نهجهم وتتبع خطاهم، أن يعلموا أنه لا يوجــــد حديث على وجه الأرض يخالف العقل، إلا أن يكون ضعيفاً أو موضوعاً)(31).

وأكـــد هذا المعنى ابن القيم ـ رحمه الله ـ بقوله: (إذا تعارض النقل وهذه العقول ـ يعني عقول أهــــــل التأويل والزيغ ـ أُخذ بالنقل الصحيح، ورُمي بهذه العقول تحت الأقدام، وحُطت حيث حطها الله وأصحابها)(32).

مزاعم العصرانيين ومنطلقاتهم:

طرح العصرانيون تصورات غريبة تحت مزاعم التجديد والتطور، في التفسير والسنة النبوية، ودعوا إلى تطوير أصول الفقه وأصول الحديث النبوي؛ فكانت لهم شذوذات عجيبة في ميادين الفقه المختلفة، كما دعا العصرانيون إلى فصل الدين عن الدولة وأمور الحياة، ودعوا كذلك إلى الوحدة والتقارب بين الأديان(24).

ويجدر بنا أن نشير إلى جيل سابق لهؤلاء هو جيل دعاة التغريب، في النصف الأول من هذا القرن، أولئك الذين ترعرعت دعوتهم في ظلال المستعمر الغربي الحاقد؛ إذ دعا ذلك الجيل إلى صبغ الحضارة الإسلامية بكل مقوماتها بحضارة الغرب، خيرها وشرها؛ ومن ثم اتهام النظام الإسلامي بالتخلف والجمود.

وكانت تيارات الهدم التغريبي في تلك الفترة تتمثل في:

1- التشكيك بالسنة النبوية:

ويمثل ذلك الاتجاه: أحمد أمين من خلال هجومه على السنة النبوية، وتشكيكه بعدالة الصحابة والتابعين: كالصحابي الجليل أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، وإمام التابعين الإمام الزهري ـ رحمه الله ـ منساقاً مع أساتذته المستشرقين من اليهود والنصارى، وتجد ذلك مبثوثاً في كتابه (فجر الإسلام).

وكان موقـف محمـود أبـو ريـة من أسوأ المواقف طعناً في السنـة والحـديث وتجـريحاً بصحابة رسـول الله في كتابه: (أضواء على السنة المحمدية).

2- المنهج التغريبي في مجال الحكم والتشريع:

ويمثله كتاب: (الإسلام وأصول الحكم) للشيخ علي عبد الرازق الصادر عام 1925م؛ فقد تبنى فيه أن الإسلام دين لا دولة، على طريقة النصارى، وخدمة لمن أسقطوا الخلافة آنذاك.

3- المنهج التغريبي في الثقافة والآداب:

ويمثله عميد التغـريب الدكتـور طـه حسين في كتبـه وخاصة في كتابيه: (في الأدب الجاهلي) و (مستقبل الثقافة في مصر)؛ فقد شكك ـ في كتابه الأول ـ بكتاب الله ـ عز وجل ـ وجعل له مصادر بشرية، وشاركه في ذلك الطعن محمد أحمد خلف الله في رسالته للدكتوراه (الفن القصصي في القرآن الكريم)(25).

منهج العصرانيين في التفسير وموقفهم من السنة النبوية:

يرى العصرانيون أنه في ضوء الظروف الجديدة، وتوسع المعرفة الإنسانية، لا يمكن الاعتماد في فهم القرآن على التفاسير القديمة التي اشتملت على كثير من الخرافات ـ كما يزعمون ـ، ولكن ينبغي فهم النص القرآني من خلال معرفتنا وتجاربنا الذاتية.

ولذلك فهم يردون كثيراً من الأحاديث النبوية وآراء السلف في التفسير، ودعا العصرانيون إلى التجديد في قضايا تفسير كتاب الله، انطلاقاً من الذوق والواقع المعاصر.

يقول الدكتور حسن الترابي: (يبدو أننا محتاجون إلى تفسير جديد، فإذا قرأتم التفاسير المتداولة بيننا تجدونها مرتبطة بالواقع الذي صيغت فيه، كل تفسير يعبر عن عقلية عصره، إلا هذا الزمان، لا نكاد نجد فيه تفسيراً عصرياً شافياً)(26).

فالدكتور الترابي ينادي بأن مفاهيم القرآن تتغير بتغير الزمن، ورقي الإنسان وتطويره؛ ولهذا فكل عصر من العصور يحتاج إلى تفسير خاص به للقرآن الكريم، (والحقيقة أن السنة هي الركيزة الأولى في تفسير القرآن الكريم؛ حيث إن القرآن الكريم كتاب منزل من عند الله ـ تعالى ـ على نبيه ليبينه للناس؛ وحينئذ لا بد من الاعتراف بأن مفهومه السليم الموثوق به، هو ما أدركه النبي صلى الله عليه وسلم)(37).

ومن الملاحظ أن تقدم المعارف البشرية المعتمدة على تجارب البشر الذاتية قد تكشفت عن أخطاء في معارف العصور الماضية، فهل يؤثر ذلك في فهم القرآن؟! وهل تتغير معاني القرآن تبعاً لذلك؟!

(وبسبب الاعتماد على معارف البشر العصرية وما فيها من القصور والأخطاء، وبسبب إهمال تفاسير الأولين وقعت العصرانية في انحرافات شنيعة في التفسير. وحسبنا أمثلةً على ذلك تفسير (سيد أحمد خان)، وتفسير (الشيخ محمد عبده))(38).

وقضية التأويل المتكلف لآيات القرآن، قضية قديمة منذ نشأة الفرق المنحرفة في الإسلام، كالمعتزلة والخوارج والشيعة، وكذلك بقية الفرق الباطنية والمتصوفة، ومن أجل ذلك يحاربون السنة النبوية؛ لأنها جاءت مفصّلة، وموضّحة لآيات القرآن.

موقف العصرانيين من السنة النبوية:

من أكبر ضلالات هذه المدرسة دعوتهم لعدم الأخذ بالسنة النبوية في مجال المعاملات خاصة؛ لأن الأحاديث الشريفة تقف حجر عثرة أمام رغبتهم في تطوير الشريعة، ليتجاوزوا ما خلفه علماؤنا من تراث فقهي غزير.

ومن محاولاتهم المشبوهة خلال التشكيك في السنة، والسعي للابتعاد عن الأخذ بحجيتها في الأحكام:

1- أنهم قسموها إلى سنة تشريعية، وسنة غير تشريعية.

2- موقفهم المريب من أحاديث الصحيحين وخبر الآحاد.

3- ردّهم كثيراً من الأحاديث بحجة أن القرآن أوْلى بالاتباع.

تقسيمهم السّنة إلى تشريعية وغير تشريعية:

وهذا تقسيم باطل سبقهم إليه الإصلاحيون ـ مدرسة محمد عبده ـ عندما قسموا السنة إلى سنة عملية يؤخذ بها في الأحكام الشرعية كالعبادات وقضايا العقيدة الأساسية. وسنة غير عملية ـ وهي الأحاديث القولية ـ ولا يلتزمون بها إلا ضمن شروط تنسجم مع قواعدها العقلية، فأخرجوا منها قضايا السياسة والمجتمع.

(وقد اعتبر بعضهم أن العصمة تكون في أمور التبليغ فقط، وأن ما اندرج من السنة النبوية تحت أمور السياسة والمجتمع ليس ديناً. ومن ثم؛ فإنه موضوع للاجتهاد والشورى، والقبول والرفض، والإضافة والتعديل)(39)… فالسياسة والحكم والقضاء وشؤون المجتمع ليست ديناً وشرعاً يجب فيها التأسي والاهتداء بما في السنة من وقائع، وأواصر، ونواهٍ وتطبيقات؛ لأنها أمور تقررت بناء على بينات قد نرى غيرها، وعالجت مصالح هي بالضرورة متطورة ومتغيرة)(40).

ويتوسع الدكتور محمد سليم العوّا في تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، ويرى أن أغلب المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، هو من النوع الثاني فيقول: (ويلاحظ: كون أغلب تصرفات الرسول مبناه التبليغ قول يصل الباحث إلى خلافه عند إمعان النظر في الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل الذي يغلب على الظن أن أغلب المروي عنه صلى الله عليه وسلم في شؤون الدنيا ـ خارج نطاق العبادات والمحرمات ـ ليس من الشرع اللازم(41).

هذا، وإن شبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، من أخبث الشبه التي رفعها أدعياء التجديد من العصرانيين… وهذه الشبهة دعوة صريحة إلى رد السنن، وترك العمل بها، والتحاكم إليها، ثم إلى تفسير القرآن بالتفسيرات الشاذة، التي توافق أهواءهم، ثم إلى تركه وراءهم ظهرياً)(42). وبذلك يرتمون في أحضان العلمانية صرحوا بذلك أم أنكروا.

موقفهم من أحاديث الصحيحين وخبر الآحاد:

شكك بعضهم في عدد من الأحاديث الصحيحة، ولو كانت في البخاري ومسلم ـ رحمهما الله ـ ومن هؤلاء الدكتور الترابي؛ فقد شكك في قيمة الضوابط والأسس التي وضعها الإمام البخاري في صحيحه، في محاضرة له بعنوان: (قضايا أصولية فكرية)، وهذه مقتطفات منها: (لا بد لنا أن نعيد النظر في الضوابط التي وضعها البخاري، فليس هناك داع لهذه الثقة المفرطة في البخاري. والمسلمون اليوم إعجابهم بالبخاري زائد؛ فمن وثقه البخاريّ فهو الثقة، ومن جرّحه فهو المجروح. لماذا نعدّل كل الصحابة؟ ليس هناك ما يوجب ذلك، لقد استُحدثت وسائل كثيرة يمكن أن تستغل في هذا المجال، ما كان البخاري ولا غيره يعرفها) يقصد الحاسب الآلي!! .

وتحدث محمود أبو رية مشككاً في صحة بعض أحاديث الصحيحين، وأن بهما أحاديث ضعيفة، وأن معظم الأحاديث فيهما رويت بالمعنى؛ لذلك لا يعتمد على كل ما فيها(43). فهؤلاء العصرانيون يعتمدون على ضرورة انسجام معنى الحديث مع عقولهم مهما علت مرتبة هذا الحديث.

وأنكر حسين أحمد أمين كثيراً من الأحاديث الصحيحة في كتابه: (دليل المسلم الحزين) وراح يتهم الفقهاء بوضع الأحاديث النبوية ويهاجم رواة الحديث بشدة، ولم يسلم من هجومه حتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم(44). ويقول ـ ساخراً ـ: (كان انتقاء البخاري للأحاديث الصحيحة على أساس صحة السند لا المتن، فالإسناد عنده وعند غيره هو (قوائم الحديث) إن سقطت سقط، وإن صح السند وجب قبول الحديث مهما كان مضمون ذلك الحديث)(45).

حديث الآحاد:

أثار العصرانيون الشبهة بعدم الاحتجاج بحديث الآحاد في العقيدة، كما أثارها أسلافهم من المعتزلة والإصلاحيين. وهذه الشبهة درع يتترس بها أهل البدع في ماضيهم وحاضرهم. قال ابن حزم ـ رحمه الله ـ: (إن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول الخبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم يجري على ذلك كل فرقة.. حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك)(46).

وقال الشيخ ناصر الألباني: (إن القول بأن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقيدة قول مبتدع محدث، لا أصل له في الشريعة الإسلامية الغرّاء، وهو غريب عن هدي الكتاب وتوجيهات السنة، ولم يعرفه السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ، وإنما قال هذا القول جماعة من علماء الكلام، وبعض من تأثر بهم من علماء الأصول المتأخرين، وتلقّاه عنهم بعض الكتاب المعاصرين بالتسليم دون مناقشة ولا برهان… وإذا أُخذ بهذا القول، فإنه يستلزم رد مئات الأحاديث الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم لمجرد كونها في العقيدة)(47).

لقد رد هؤلاء أحاديث كثيرة تتعلق بالغيب والجن، وأخبار الآخرة، كما ردّها قبلهم المعتزلة ورجال المدرسة الإصلاحية.

العصرانيون يردون كثيراً من الأحاديث بحجة أن القرآن أوْلى بالاتباع:

وحجة العصرانيين أنه لا شك في صحة القرآن، وأن كتاب الله فيه كليات الشريعة وأصولها التي لم يتلاعب بها الرجال.

غير أن العصرانيين لم يدركوا أن معارضة السنة بالقرآن مذهب رديء تبناه أهل البدع والضلالة من المعتزلة ومن سار على منوالهم.

قال محمد عمارة: (إذا وجدت حديثاً منسوباً إلى رواة عدول لا ألجم عقلي وأمنعه من النظر بحجة أن السند هو كل شيء؛ لأنه لا بد أن يكون لعقلي مجال في المتن، ولا بد أن أحاكم هذا الذي هو ظني الثبوت إلى ما هو قطعي الثبوت، وهو كتاب الله وحقائق العلم)(48).

ورغم كل ما تقدم؛ فقد ظهر الدكتور عمارة في الآونة الأخيرة داعياً إلى التمسك بثوابت هذا الدين، وإلى العودة إلى منهج السلف فقال: (السلفية هي الماضي وهي الأصل والأساس) (وإن تجديد فكر هذه الأمة عبر تاريخها قام على أيدي علماء سلفيين)(49)، كما أنه صار يهاجم العلمانيين خلافاً لماضيه المعروف.

ونحن نرجو له ولأمثاله عودة طيبة صادقة إلى منهج السلف الصالح، وأن يشيروا إلى ما سطروه من شطحات في كتبهم السابقة؛ والحق أحق أن يتبع، وما وجد في كتبهم أصبح من حق التاريخ الصادق الذي لا يحابي أحداً.

لقد أصبح الاقتصار على ما في كتاب الله تُكَأَة في يد بعض العلمانيين وأصحاب الأهواء، إذا أرادوا الخروج على الشريعة وتجاوز حدود الله؛ إذ يتبجحون بأنهم ليسوا (نصوصيين) وإنما هم يدركون (روح الدين) ويراعون المقاصد العامة للإسلام(50).

هذا، والحديث الشريف ـ ثاني مصادر الشريعة الإسلامية ـ هو المفسر الأول، والمبين لكتاب الله، ولذلك عُنِيَ به علماء المسلمين عناية تفوق الوصف، فظل الحديث مصفّى من الشوائب، وكان لا بد للمبتدعة من أن يحاولوا اختراق هذا الجدار المنيع الذي يحمي أسس العقيدة والشريعة، ليتمكنوا من الزيادة في الدين أو النقص منه حسبما يشاؤون)(51).

فالقرآن والخبر الصحيح شيء واحد، وحكمهما واحد في وجوب الطاعة لهما.

يقول ـ تعالى ـ: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء: 65].

وقد روى ابن ماجة بسنده إلى المقدام بن معد يكرب الكندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك الرجل متكئاً على أريكته يُحدّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ـ عز وجل ـ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله)(52) والحمد لله رب العالمين.

الهوامش :

(1) انظر: ثقافة الضرار، الأستاذ جمال سلطان، بتصرف وإيجاز.

(2) انظر: تجديد الفكر الإسلامي، الأستاذ جمال سلطان ص 34.

(3) انظر: كتابنا: العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب، الباب الأول بعنوان: الجذور التاريخية والفكرية للمدرسة العصرانية.

(4) انظر: منير البعلبكي، قاموس إنجليزي عربي، ص 586.

(5) مفهوم تجديد الدين: بسطامي محمد سعيد، ص 96 ـ 97.

(6)انظر: المرجع السابق، ص97 ـ 105، بتصرف وإيجاز.

(7)انظر: مفهوم تجديد الدين ص 105 ـ 116، والعصرانيون ص 189 ـ 191.

(8) تكوين العقل الحديث: جون راندال، جـ2، ص 217، ترجمة جورج طعمة ـ بيروت عام 1958م.

(9) اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر في مصر، د. حمد بن صادق الجمال ص 552.

(10) دائرة المعارف البريطانية، 1954م.

(11) مفهوم تجديد الدين، بسطامي محمد سعيد، ص 110.

(12) تكوين العقل الحديث، راندال، جـ2، ص 235.

(13) اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر، د. حمد الجمّال، ص 353 ـ 354.

(14) انظر تفصيلاً لذلك: فصل الاستشراق والتنصير من كتابنا (العصرانيون).

(15) الفكر الإسلامي والتطور، د. محمد فتحي عثمان، ط 2، الكويت، 1969م، ص 39، 75.

(16) الفكر الإسلامي والتطور، د. محمد فتحي عثمان، ط 2، الكويت، 9691م، ص 39، 75.

(17) المرجع السابق، ص73، وهذا يذكرنا بقول هولد هايم، أحد أحبار اليهود، وبفكرة النقد التاريخي للأناجيل عند العصرانيين من النصارى.

(18) المجددون في الإسلام، أمين الخولي، ص 58، القاهرة، 1965م.

(19) أين الخطأ، عبد الله العلايلي، طبعة بيروت، 1978م.

(20) تجديد الفكر الإسلامي، د. حسن الترابي، ص 40، 56، 105.

(21) صحيح ابن ماجه، الألباني، حديث رقم (40).

(22) أضواء البيان، الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، جـ4، 92.

231) مقال العدل الإسلامي وهل يمكن أن يتحقق، الطليعة القاهرية، 1975م.

(24) كتاب الأسس القرآنية للتقدم، ص44، طبعة القاهرة، 1984م.

(25) الدولة الإسلامية، د. محمد عمارة، ص 177، وانظر ص15، الإسلام وقضايا العصر، للمؤلف نفسه.

(26) تجديد أصول الفكر الإسلامي، د. حسن الترابي، ص 8.

(27) التراث والتجديد: ص 119ـ 120، نشر مكتبة الجديد، تونس.

(28) قضايا معاصرة في فكرنا المعاصر، حسن حنفي، ص 91 ـ 93، طبعة بيروت.

(29) الموافقات، الإمام الشاطبي، جـ3/13، دار الفكر.

(30) ينظر: منهج المدرسة العقلانية في التفسير، فهد الرومي، ص 29 ـ 39.

(31،32) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، حـ 1، ص 147 ـ 150، تحقيق محمد رشاد سالم.

(33) مختصر الصواعق المرسلة، ص28 38، اختصار الشيخ موسى الموصلي.

(34) لعلنا نستعرض بتفصيل أكثر أبرز منطلقات هذه المدرسة في دراسة قادمة ـ إن شاء الله ـ.

(35) انظر ـ تفصيلاً لمخاطر دعوة التغريب ـ الباب الثاني من كتاب (العصرانيون) للكاتب، ص 127ـ 172.

(36) تجديد الفكر الإسلامي، د. حسن الترابي، ط. ثانية، 1987م، ص 26.

(37) الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة، المودودي، ص 175 ـ 185، ط 2، الكويت.

(38) انظر: مفهوم تجديد الدين، ص 233.

(39، 40) الإسلام والسلطة الدينية، د. محمد عمارة، ص 104، 120.

(41) مجلة المسلم المعاصر، محمد سليم العوا، أكتوبر، 1974م، ص 48.

(42) مناقشة هادئة لبعض أفكار الترابي، ص 79، الأمين الحاج محمد أحمد.

(43) أضواء على السنة المحمدية، ص 290 ـ 291. (22) انظر كتابه: دليل المسلم الحزين، ص 43 ـ 63، (ومن يشبه أباه فما ظُلم).

(44) دليل المسلم الحزين، ص 59 ـ 60.   (24) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم، جـ 1، ص 102.

(45) حديث الآحاد حجة بنفسه، الشيخ ناصر الألباني.

(46) جريدة المسلمون، العدد (276) ص 11، السنة السادسة.

(47) من مقابلة معه أجرتها مجلة الدعوة الصادرة في الرياض، العدد 1642/ 25 محرم/1419هـ، ص 24 ـ 25.

(48) ثقافة الضرار، جمال سلطان، ص 68 ـ 69.

(49) المعتزلة بين القديم والحديث، محمد العبدة، ص 81 ـ 83.

(50) سـنن ابـن مـاجــة، الـمـقـدـمة، باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برقم (12)، وأخرج نحوه الترمذي من حديث أبي رافع، كتاب العلم، وقال: هذا حديث صحيح، 5/36 ـ 37 وانظر صحيح الجامع الصغير، للألباني، 6/365.

عن المحرر

شاهد أيضاً

احداث درنة … الغموض وعدم الشفافية

(أحداث درنة … الغموض وعدم الشفافية)   فضيلة الشيخ د. الصادق الغرياني مفتي عام ليبيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *