الرئيسية / ركن الأخوات / أمة الإسناد ? #بقلم: أحلام النصر

أمة الإسناد ? #بقلم: أحلام النصر

إن البخاري رحمه الله تعالى حين أمضى سنين طويلة من عمره في جمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وفق قواعدَ شرعيةٍ منضبطة: كان كذلك يؤصّلُ فيها لعلم الإسناد والتوثيق، مستنبطًا إياه مِنْ كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتلقّاه علماء السلف بالقَبول والاستحسان، وأصّلوا لعلم الجرح والتعديل وعلوم الرجال والأسماء، وهذا الانضباط كله يساعد على حفظ العلوم، ويمنع الظلمَ، ويدحر الشائعات والقيل والقال؛ إذ سيكون لكل خبر مستَنَد: يؤكّد صدقَه، أو يكشف كذبَه، فلا يستطيع أحد أن يقوِّلَ أحدًا ما لم يقله، ولا أن يفتري عليه، ولا عجب أن يكون كل هذا الانضباط في ديننا العظيم؛ فهو دين العلم، دين الأمانة وحفظ الحقوق.

والإسناد ميزة مهمة من مزايا وخصائص هذه الأمة، ونلاحظ أن قصائدَ وأعمالَ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، بل وكثيرًا من أسئلتهم أيضًا: وصلتْنا مقرونة بأسمائهم رجالًا ونساء، سواء بسواء، دون نكير من النبي صلى الله عليه وسلم، بل على العكس؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يفخر بهم ويشجعهم، ويخبر أن أشعارهم أوجَع للكفار وأشد عليهم من ضربات السـ،ـيـف.

وعلى نهج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: سار السلف الصالح؛ فتلك روائع حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وقصائد الخنساء، وفقه عائشة، وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتلك كنوز ابن تيمية، وكتب ابن القيم، وفقه الأئمة الأربعة، وغيرهم وغيرهم رحمهم الله كلهم، جميعهم وصلتنا أعمالهم مقرونة بأسمائهم وسِيَر حياتهم، دون أن يخطر في بال أحد منهم أن يسرق نتاجَ أحد، أو يعرضه مجرّدًا عن اسمه، كيف لا؟ والله تعالى يقول: {ولا تبخسوا الناسَ أشياءَهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين}، ويقول جل جلاله: {ومَن يغلل يأتِ بما غَلَّ يومَ القيامة}، وهل بعد كلام الله تعالى كلام؟ حاشا وكلا، اللهم لا تجعل في أعناقنا حقًّا لمسلم ولا مسلمة.

ويجدر بنا-ونحن الآن جميعًا نعمل على إعادة أمجاد ديننا السامي-التشبّثُ بهذه الميزة الإسلامية العظيمة، دون أن نزاحمَ أعداءَنا في محاولاتهم البائسة لطمسها.

〰️〰️〰️

⛔️ *اعتراض:

نسْبُ الأعمال لأصحابها قد يكون دلالة على التكبر والغرور، وحب الشهرة والرياء، أو على الأقل وسيلةً إلى حصول ذلك!

? *الجواب:

سبحان الله! أشققْتَ على قلب أخيك؟! إن تلكم الأمور: خفيّةٌ باطنة، لا يعلم بها ولا بالنوايا إلا عالم الغيب والشهادة، ولا يمكن لأحد الشعورُ بها إلا بقرينة؛ مِنْ قبيل الصلَف في معاملة المسلمين، أو الاستكبار عن مساعدتهم، أو كتم العلم عنهم.

? أما مجرّدُ كون المرء صاحبَ علم أو موهبة: يجعله متكبرًا؛ فتلكم هي الغيرة المذمومة، التي تجعل صاحبَها يقع في الظلم والافتراء، وهي التي أودَت بإبليس إلى الطرد مِنَ الجنة بل ومِنْ رحمة الله تعالى، والعياذ بالله؛ فإن كان أخوك متكبرًا فعلاً: عاقبه الله على ذلك، وإن لم يكن كذلك: عاقبك أنت على ظلمك وسوء ظنك؛ إذ {إن بعض الظن إثم}، ومثل هذا الغَيور يُنصَح بتقوى الله، ثم باستكشاف خبايا نفسه ومزاياه؛ إذ أودَع الله تعالى في كلٍّ منا مواهبَ وقدراتٍ، ولكن مِن الناس دؤوب عامل، ومنهم كسول خامل، ولكل مجتهد نصيب.

? ومجردُ إلحاق صاحب العمل اسمَه بعمله: ليس دلالة على أي أمر سلبي، بل هو حقه الفكري الذي يكفله له الشرع ذاته، أم لعلّ أصحاب هذا الاعتراض يرمون السلف الصالح مِنَ الصحابة والتابعين بهذه الاتهامات-خاصة وأنهم كتبوا بأسمائهم الحقيقية لا المستعارة الوهمية-؟! معاذ الله، ولسنا مثلهم طبعًا في الفضل والخير، لكن واجبنا أن نقتدي بهم؛ فهذا الاقتداء هو أحد وصايا النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان الإسناد شرًّا أو وسيلة إلى الشر: لَما سبقونا إليه، بل لَكان النبي صلى الله عليه وسلم نهى صحابتَه عنه، وهو الذي أخبرهم أنه نهاهم عن كل شر.

〰️〰️〰️

⛔️ *اعتراض:

لطالما انتـ.ـكـ.ـس قوم كانوا أهلَ علمٍ وأدبٍ بل وسابقةِ جـ.ـهـ،ـاد، فيُخشَى على المعاصرين أن ينتـ.ـكـ.ـسوا كذلك، ويتبعهم في ذلك مَن كانوا يتابعونهم!

? *الجواب:

الرد ها هنا على عدة وجوه؛

⏪ أوّلها: قال الله تعالى: {ولا تَزِرُ وازرة وزرَ أخرى}؛ أي لا يجوز أن نحمّلَ أحدًا ذنبَ أحد، ولو كان ذنبَ أقرب الناس إليه، فما بالنا بأن نحمّلَه ذنبَ عدوّه المـنـتـ،ـكـس المرتـ،ـكـس؟!! هذا حسب قواعد علم أصول الفقه: قياسٌ بالأَولى.

لا سيما أن أولئك المنتـكـسين ما زالوا يصولون ويجولون!! أي أن مخالفةَ السلف والسعيَ في إماتة علم الإسناد: لن تمنعا المنـتكس مِنَ الانتكاس، بل لربما استغلّ ونسَب لنفسه أعمالَ غيره-مِنْ غير المنتـكـسين-ليشوّشَ على الناس، ويزعمَ أنه هو صاحبها وتراجع عنها!! فهنا يقف علم الإسناد والعَزْوِ للمصادر: له بالمرصاد بعد توفيق الله تعالى، ويمنعه من الكذب والتدليس!

⏪ والأمر الآخر: هل يجوز لأحد أن يسوِّغَ لنفسه تَسَوُّرَ علم الغيب، والزعمَ بأن هذا وذاك سينتكسون؟! قال تعالى: {لستَ عليهم بوكيل}، قالها للنبي صلى الله عليه وسلم، فما بالنا بمن هم دونه عليه الصلاة والسلام؟! بل مَنْ يدري؟! لربما ثبتوا هم وانتـكـس مَنْ يخاف عليهم الانتـكـاس، هذه غيبيّات لا يعلمها إلا الله، الذي نضرع إليه سبحانه أن يثبتَنا جميعًا حتى الممات.

?وثمة ملاحظة مهمة: أن الغاية في الإسلام لا تبرّر الوسيلة، ولا يجوز أن تظلم أخاك في الوقت الحالي، وتبخسه حقَّه-في حين يتفاخر الكـفـر بكوادره التافهة الشريرة-؛ خوفًا عليه من أمر مستقبلي، قد يحدث أو لا يحدث، بل قد تقع فيه أنت دونه؛ إذ لا تُؤمَن على حي فتنة، وهذا يشمل الأحياء أجمعين، فتأمل.

بل واجبنا أن نبذل كل جهودنا في خدمة ديننا ، ونحتسب الأجر في الحض والتحريض والتذكير، ونغيظ الـكـفـار بأبطالنا وعلمائنا وأدبائنا؛ قال تعالى: {ولا يطؤون موطئًا يغيظ الكـفـار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كُتِب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين}.

⏪ ثالثًا: مَنْ قال إن دينَنا دينُ أشخاص، نتبعهم اتباعًا أعمى كالخراف دون وعي أو تفكير؟!
مَنْ قال إن اتباعنا حتى لقـ.ـادات الجـ.ـهـ،ـاد: هو بسبب أشخاصهم الكريمة حفظهم الله وتقبّل شـهـداءهم؟!
إنما ديننا دين دليل ومنهج، نتبع من خلاله قيـاداتـنا، ونأخذ فيه أقوال مشـايـخنا، ونوافق بسببه مضمونَ كلامِ كلِّ متكلم، بمعنى آخر: مَنْ خالف الشرعَ نبذناه، ومَن قال بغير الحق ألجمناه؛ إذ ما كنا لنتبع أحدًا إلا لموافقته للحق، هذا هو ديننا.

 

وإن عبيد الله بن جحش كان مسلمًا رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وآمن به، بل وهاجر إلى الحبشة فرارًا بدينه، ثم حين ار تدّ وتنصّر: لم يضرّ إلا نفسَه، ولم يؤثر حتى في أم حبيبة رضي الله عنها، فضلاً عن أن يضرّ بالإسلام ذاته!!

والأمثلة كثيرة سواء من شواهد التاريخ، أو واقعنا المعاصر؛ إذ الإسلام لا يضرّه انتكاس ضال، كما لا يؤثر فيه موت فاضل، وقد بقي شامخًا منتصرًا برغم موت النبي صلى الله عليه وسلم أشرفِ الخلق، فما بالنا بمَن دونه؟! فلنكن أكثر ثقة بوعد الله تعالى بانتصار الإسلام ودولـته، التي تمضي بنور الله تعالى وتوفيقه، دون أن تلتفت لمن خسروا أنفسَهم بحربها، ولم يضروها بشيء فضلاً من الله ومنّة.

هذا ولا أخال أحدًا يمانع في نشر بعض أعماله دون اسم، أو حتى باسم آخر، ذلك لا حرج فيه بإذن الله بشرط ألا ينوي مخالفة السلف، لكن أن يصبح هذا هو الأصل، بحيث يُرمى مخالفُه في نيته وإخلاصه: فذلك لا يصح، وديننا دين دليل، لا يمكن لأحد أن ينكر على أحد دون مستند شرعي، ونلاحظ من خلال ما سبق-وهو قليل لا يفي بحق هذا الموضوع الجليل، ولكنه جهد المقِلّ-: أن الأدلة الشرعية تؤيد الإسناد بل وتدعو إليه، فتأمل.

وإن أعجزك أن تعرف صاحب هذا العمل أو ذاك؛ فلا أقل مِنْ أن تبيّن أنه منقول؛ تبرئة للذمة، ودفعًا لشبهة السرقة الفكرية.

اللهم أخلِص أعمالنا ونوايانا لوجهك الكريم، وتقبّل منا يسيرَ العمل، واعفُ عن كثير الزلل، وثبتنا على طريق الحق حتى نلقاك وأنت عنا راضٍ، ولا تجعل في قلوبنا غِلًّا للذين آمنوا، بل أشغلنا جميعًا بطاعتك، واجعلنا يدًا واحدة ضد أعدائك أعداء الدين، آمين، والحمد لله رب العالمين.

======

بتصرف طفيف لا يخل بالمقال لاعتبارات خاصة

عن المحرر

شاهد أيضاً

سَرَقَةُ الدِّيْباج في مدح أمنا أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها )

سَرَقَةُ الدِّيْباج في مدح أمنا أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها )   هذه قصيدةٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *