الرئيسية / المنبر الحر / مـِـــحَــــن الـطــريـــــق

مـِـــحَــــن الـطــريـــــق

مـِـــحَــــن الـطــريـــــق

كانت السياط تلسع ظهره العاري، تنهشه نهشاً، وسيول الشتائم والإهانات الصادرة من جلاديه أشدّ وقعاً على نفسه وكبريائه، كيف لا وهي تنال من إلهه ودينه ونبيّه ومشايخه وإخوانه؟؟ -آه يا «عبداللـه».. أتُراكَ تُعاني ممّا أُعاني؟-

عادت بـ«أحمد» الذكريات إلى يوم أن هداه اللـه على يد أخيه عبداللـه.. يوم أن كشف اللـه الران عن قلبه وشرح صدره للالتزام بهذا الدين، يوم أن قرّر هجر أصحاب السوء وسهراتهم وضلالاتهم ولغوهم وغيّهم.. كان ذاك يوم أن واجهه عبداللـه مؤنّباً موبّخاً تارّةً، حانياً شفيقاً تارّة أخرى، يذكّره باللـه وعظمته، ويخوّفه من عذابه وناره، ويرغّبه في جنته ونعيمه.. فإذا بأحمد وكأنّه يدرك للمرّة الأولى أنّ هناك حساباً وناراً، وجنّة أو سعيراً…

تذكّر أحمد العهد الذي قطعه على نفسه في تلك الليلة، وهو ساجدٌ بين يدي اللـه، جاهش في البكاء، نادم على ما أضاعه من عمره في معصية الخالق البارئ… يومها عاهد اللـه أن لا يرجع إلى ما كان عليه أبداً، وأن يسير طبقاً لأوامر الدين لا يحيد عنها قيد أنملة، ولا ينحني للشيطان وغيه ووسوسته…

تذكّر أحمد تلك الأيام والليالي المضيئة الوضيئة، التي غمرته فيها السكينة والطمأنينة، وهو في طاعة اللـه عزّ وجلّ.. قلبه مملوء رضاً وأمناً وأماناً، ملؤه القناعة بالطريق الذي سلكه بعد طول هجران..

عادت بأحمد الأيّام إلى حلقات القرآن وتذاكر العلم في المساجد، وجهود الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…

تسارعت الصور والذكريات في مخيّلته، حتّى استقرّت به عند تلك الليلة الظلماء، حين هبّ من نومه فزعاً على صوت قرعٍ شديد على باب الدار الذي ما لبث أن تحطّم، وإذا بجنود الظلام يقتحمون حرمة داره، يخرّبون ويفتّشون ويضربون… حتّى انتهى به المطاف في تلك الزنزانة بين يدي من لا يرقبُ في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة.

«أين مخابئ السلاح؟ من هو أميرك؟ ما هي مهمّتك؟ كم عددكم؟ من يموّلكم؟….»

تنبّه أحمد من غفلته حين توقّفت السياط عن عملها، ليسمع تلك الأسئلة التي ما فتئت تتكرّر على مسامعه منذ أيّام.. ولا يجد ما يجيب به عليها.. فمهما نفى وأقسم، ومهما بيّن وفسّر، في غير فائدة أو جدوى، فالقوم مصرّون ومقتنعون، وعندهم الأدلّة على ذلك: فها هي لحية رسول اللـه e في ذقنه، وهذه تقاريرهم تؤكّد أنّه من روّاد المسجد، لا بل من الدعاة إلى اللـه الذين يصلحون ما يُفسدونه، وهو من الذين ينهون الناس عن الربا والخمر والزنا الذي تبيحه الدولة وتحميه…

لم يدرِ أحمد أيجيب أم لا، وإن فعل فماذا يقول؟ وبينما هو على تلك الحال، إذا بمسلسل الذكريات ينطلق من جديد، واسترجع أحمد حقيقةً كانت قد غابت عن ذهنه لوهلة.. تذكّر أحمد مقولة شيخه -التي لم يدرِك مغزاها عندها-: «إنّ الدعاة لهذا الدين العاملين لنصرته وإعلاء كلمته لا يمكن أن يعيشوا حياةً سهلة يسيرة آمنة.. إعلم أنّك إن تُرِكْتَ وشأنك، ولم تُعادَى أو تُلاحَق، إعلم أنّك قد حدّت عن الطريق وضللت السبيل.. وإلاّ فلماذا عُودِي الأنبياء والمرسلون -عليهم الصلاة والسلام-، فذبح يحيى وقتل زكريا ورُمِي في النار إبراهيم؟؟ ولماذا حُوصر محمّد r وأصحابُه وجُوِّعوا وعُذِّبوا وقتلوا وهُجِّروا ورمتهم العربُ عن قوسٍ واحدة؟؟ إنّ الحقّ مع هذا الدين، والباطل فيما سواه، وما كان الباطل ليترك الحقّ وأهله، لأنّ وجود الحقّ يعني انقراض الباطل وزوال ملكه…»

في ذلك الجوّ الأليم الذليل، ورغم ما بجسده من جراح وكدمات، ورغم ما لاقته نفسه من قهر ومهانة، ارتسمت بسمة رضا على شفتي أحمد، وكأنّه يخاطب جلاّديه قائلاً:

أمّا وقد أدركت أنّني على الحقّ وأنّكم على الباطل، أمّا وقد أدركت حقيقتكم وحقيقة بغضكم لدين الله، فافعلوا بي ما يحلو لكم، فإنّني غير ناكث للعهد الذي قطعته على نفسي، وإنّ ربي سيُثِيبُني على ما ألاقيه في سبيله.. أمّا إن يسّر لي ربي الخروج من سجنكم هذا، فإنّ لي معكم -إن شاء الله- جولة، بل جولات قادمة، أخوضها أنا وإخواني لمحو باطلكم وإحقاق الحقّ ورفع كلمة الله عالية فوق كلمة أربابكم n

جــهــاد

عن المحرر

شاهد أيضاً

وفاة الشيخ المجاهد الصابر المحتسب محمد الظواهري بعد جهاد وصبر طيلة عمره عليه رحمة الله

وفاة الشيخ المجاهد الصابر المحتسب محمد الظواهري بعد جهاد وصبر طيلة عمره عليه رحمة الله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *