الرئيسية / المنبر الحر / الشيخ أحمد شاكر/ الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر ومعه الشرع واللغة (2)

الشيخ أحمد شاكر/ الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر ومعه الشرع واللغة (2)

نعم: إن الدين كله لله، وإن الأمر كله لله. ولكن هذا الرجل والذين يظاهرونه يريدون أن يفهموا الدين على غير ما يعرف المسلمون، وعلى غير ما أنزل الله في القرآن وعلى لسان الرسول. يريدون أن يَنفُثوا في روع الأغرار والجاهلين أن الدين هو العقائد والعبادات فقط، وأن ما سواهما من التشريع ليس من أمر الدين، عدواً منهم وبغياً، واستكباراً وعتواً، على المسلمين، بل جهلاً وعجزاً، ثم استكانة وذلاً، للسادة الأوربيين “ذوي العقول الجبارة”. ثم لا يستحي أحدهم أن يدعي أنه يفهم الدين، وأن يزعم أنه مكتف بما يسّر الله له من دينه، وأنه موقن بأن لا مزيد عليه عند كائن من كان من المسلمين!!

2

نعم، إن القوانين الإفرنحية والنظم الأوربية، فيها كثير مما يخالف عقائد المسلمين، وفيها تعطيل لكثير من فروض الدين.
فيها إباحة الخمور علناً، والترخيص رسمياً ببيعها، بتصريح كتابي يوقّع عليه وزير من وزراء الدولة أو موظف كبير من موظفيها. بل إن فريقاً من رجال الدولة الكبار لا يخجلون أن تدار عليهم الخمور في حفلات رسمية، ينفق عليها من أموال الدولة، بحجة أن هذا إكرام لمدعويهم من الأجانب، أو بما شئت من حجج تجردت من الحياء. حتى إن الدهماء ومن يسمونهم بسمة “الطبقة الراقية” اقتدوا بساداتهم وكبرائهم، واستغلوا هذه القوانين فيما يُذهب عقولهم ويذيب أموالهم، فانحطوا إلى الدرك الأسفل.
وفيها إباحة الميسر بكل أنواعه، بشروط ورخص وضعوها فخربت البيوت، واختلت الأعصاب والعقول، مما هو مشاهد، يعجز قلمي عن وصفه.
وفيها إباحة الفجور بطرق عجيبة، من حماية الفجار من الرجال والنساء، من سلطان الآباء والأولياء، بحجة حماية الحرية الشخصية. ثم ما في الحانات والمواخير، ثم اختلاط الرجال والنساء، ثم المصايف وما فيها من البلاء، ثم هذه المراقص العامة والخاصة، بل المراقص التي تنفق عليها الدولة في الحفلات والتمثيل، اقتداء بالسادة الأوربيين” ذوي العقول الجبارة التي كشفت الكهرباء والراديو ومعجزات الطيران”!
وفيها إبطال الحدود التي نزل بها القرآن كلها، مسايرة لروح التطور العصري، واتباعاً لمبادئ التشريع الحديث! وتباً لهذا التشريع الحديث وسحقاً.
وفيها إهداء الدماء في القتلى، باشتراط شروط لم ينزل بها كتاب ولا سنة، في الحكم بالقصاص. مثل شرط سبق الإصرار، مع العمد الموجب وحده للقصاص في شرعة الإسلام.
ومثل البحث فيما يسمونه “الظروف المخففة” و”درس نفسية الجاني وظروفه”. ومثل جعل حق العفو للدولة، لا لولي الدم، الذي جعل الله له وحده حق العفو بنص القرآن، فأهدرت الدماء، وفشا القتل للثأر، حتى لا رادع والأمة والحكومة والصحف وغيرها، تتساءل عن علة ازدياد جرائم القتل؟ والعلة في هذه القوانين، التي خالفت العرف والدين.
إلى غير ذلك ما لا نستطيع أن نحصيه في هذه الكلمة وكل هذه الأشياء وأمثالها تحليل لما حرم الله، واستهانة بحدود الله، وانفلات من الإسلام. وكلها حرب على عقائد المسلمين، وكلها تعطيل لفروض الدين.
ولسنا ننعيَ على هذه القوانين كل جزئية فيها، بالضرورة، ففيها فروع في مسائل مفصلة، تدخل تحت القواعد العامة في الكتاب والسنة، ولكنا ننكر المصدر الذي أخذت منه، وهو مصدر لا يجوز لمسلم أن يجعله إمامه في التشريع، وقد أمر أن يتحاكم إلى الله ورسوله.
فالكتاب والسنة وحدهما هما الإمام، نستنبط منهما وفي حدودهما ما يوافق كل عصر وكل مكان، مسترشدين بالعقل وقواعد العدل. ولكنا نسخط على الروح الذي يملي هذه القوانين ويوحي بها، روح الإلحاد والتمرد على الإسلام، في كثير من المسائل الخطيرة، والقواعد الأساسية، فلا يبالي واضعوها أن يخرجوا على القرآن، وعلى البديهي من قواعد الإسلام، وأن يصبغوها صبغة أوربية، مسيحية أو وثنية، إذا ما أرضوا عنهم أعداءهم، ونالوا ثناءهم، ولم يخرجوا على مبادئ التشريع الحديث!!
وهم، في نظر الشرع، مخطئون إذا ما أصابوا، مجرمون إذا ما أخطؤوا. أصابوا عن غير طرق الصواب، إذ لم يضعوا الكتاب والسنة نصب أعينهم، بل أعرضوا عنهما ابتغاء مرضاة غير الله، جهلوهما جهلاً عجيباً. وأخطؤوا عامدين أن يخالفوا ما أمرهم به ربهم، ساخطين إذا ما دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم. والحجة عليهم قول كبيرهم: “إن جهات التشريع عندنا تشتغل في دائرة غير دائرة الدين”!! وإصراره على أنه لو كان قوياً في صحته فلن يجيب إلى “الرجوع لسلفنا الصالح في أمر القوانين”.

ونحن نجيبه الجواب الحاسم الصحيح:
أن سلفنا الصالح لو مد الله في أجلهم إلى اليوم، ما رضوا عن هذه القوانين، وما خنعوا لها وما استكانوا، بل ما جرؤ أحد أن يفكر في وضعها لبلاد المسلمين.
وليس الذي ينفي عنهم عار هذه السُّبَّة هو الذي يكذب عليهم علناً، وهم أجلّ في أنفسهم وفي نفوس المسلمين، من أن يصدق عليهم ما رماهم به معاليه.
ومن ظن بهم غير ذلك، فقد جهل العلم والدين، وأنكر التاريخ، أو قال غير الحق، زراية بهم وإسرافاً عليهم، وهو يعلم أن الحق غير ما قال.

[أحمد شاكر/ الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر ومعه الشرع واللغة (1/93)]

عن المحرر

شاهد أيضاً

سؤال وجواب

سؤال وجواب   بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *