الرئيسية / روضة الأدب / العلمانية:طه حسين وقاسم أمين نموذجا الدكتور حسن عبد الرحمن بكير

العلمانية:طه حسين وقاسم أمين نموذجا الدكتور حسن عبد الرحمن بكير

العلمانية:طه حسين وقاسم أمين نموذجا

الدكتور حسن عبد الرحمن بكير

إن دراسة نماذج من أرباب التيار العلماني تعطي صورةً واضحةً عن التوجه العلماني ومعالم منهجه في تناول قضايا التجديد، ويساعد على تقويم هذا الاتجاه تقويما موضوعيا بتحديد مصدر انحرافاته ومواطن زللـه.

وإذا كانت هذه النماذج كثيرةً ومتنوعةً، فإني أقتصر على تقديم بعض منها، وهي تختزل أهم ما في التيار العلماني من أسس ومنطلقات. ومن أبرز هذه النماذج :

1 – قاسم أمين  :

وهو أحد الأوائل الذين رفعوا شعار التجديد، غير أنه تجديد يحاكي الغرب في كل مظاهره ضاره ونافعه، ويعكس افتتانا – لا حدَّ له – بكل ما هو وافد؛ مما شكل بداية دعوة كان لها تداعياتها الخطيرة على مجالات اجتماعية كثيرة .

لقد سار قاسم أمين في دعوته إلى التجديد متدرجا على مراحل؛ ففي المرحلة الأولى أصدر كتابه « تحرير المرأة »([1]) محاولا الظهور بمظهر المجتهد المجدد؛ فبذل جهده للتدليل على ما زعمه من أن حجاب المرأة – كما هو سائد في المجتمعات الإسلامية – ليس من الإسلام ، وأن الدعوة إلى السفور ليس فيها ما يخالف الدين وأصوله العامة، فالحجاب – كما يدعي – أصل من أصول الأدب فحسب يلزم التمسك به ، ويؤكد ذلك بقولـه: « إن الشريعة ليس فيها نص يوجب الحجاب على الطريقة المعهودة، وإنما هو عادة عرضت لهم من مخالطة بعض الأمم، فاستحسنوها وأخذوا بها وألبسوها لباس الدين، كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين والدين منها براء»([2])

وفي إيراده لقوله تعالى : } قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ { ([3]) ، يلوي قاسم أمين للآية عنقها فيقول: « إن الآية قد أباحت أن تظهر بعض أعضاء من جسم المرأة أمام الأجنبي عنها، غير أنها لم تسم تلك المواضع، وقد قال العلماء إنها وكلت فهمها وتعيينها إلى ما كان معروفا في العادة وقت الخطاب..»([4])([5]).

لقد بحث الكاتب موضوعات الحجاب واشتغال المرأة بالشؤون العامة وتعدد الزوجات والطلاق، ووظف لما ذهب إليه آيات قرآنية توظيفا غير سليم؛ وتلخص منهجه في محاولة التوفيق بين الإسلام وبين مذاهب الغربيين في مرحلة أولى، وعندما جُوبِهَ الكتاب وصاحبه بمعارضة شديدة، انتقل الكاتب إلى مرحلة ثانية أكثر جراءة كشفت عن منطلقاته وأهدافه. ففي كتابه اللاحق «المرأة الجديدة»([6]) ظهر أثر الفكر الغربي واضحا؛ حيث دعا إلى التزام مناهج البحث الأوربية الحديثة التي ترفض المسلمات العقدية السابقة، سواء أكان مصدرها الدين السماوي أم غيره، ولا تعترف إلا بما ثبت بدليل من تجربة أو واقع، وهو ما يدعى «الأسلوب العلمي» الذي يُنسب إلى باحثي الاجتماع الأوربيين. ([7])                     

إن المنهج العلمي قد يكون محل اتفاق وذلك في العلوم التجريبية كالطبيعة والرياضيات والكيمياء والفيزياء والهندسة والطب… أما العلوم الإنسانية التي تبحث في أسرار النفس البشرية والعلاقات الاجتماعية والقيم الخلقية، فلا يتصور فيها وجود منهج موحد، بل إن علماء الغرب أنفسهم لم يتفقوا على منهج واحد لدراسة الإنسان وما يتعلق به من جوانب نفسية وفكرية وخلقية.

ولعل من هذه الدراسات ما هو مسخر لخدمة أفكار ونظريات ربما كان من أولى أسسها محاربة الدين وهدم القيم والمبادئ الخلقية. ([8]) 

وهذا ما اتبعه قاسم أمين في منهجه الملتوي ، وأراد أن يظهر بمظهر مجدد العصر الذي تلمس مكمن الداء واضعا يده على الجرح، بالرغم من أنه لم يكن يوما ممن اشتغلوا بالفقه ولا بأصوله، ولم يملك أدوات الاستنباط التي  تؤهله  لولوج ميــدان الاجتهاد. ([9])

ولذلك فإن ما أورده من أدلة – سواء أكانت نصوصاً قرآنيةً أم تاريخيةً أم عقليةً – تعامل معه تعاملاً موجهاً لخدمة أفكاره المسبقة تحت ذريعة فتح باب الاجتهاد للنهوض بالمجتمعات الإسلامية.

وهو – على الرغم من أنه كان يوظف بعض حقائق الواقع في تشخيص أحوال الأمة وما تعانيه من أمراض – فإنه لا يلبث أن يعرب عن مقصده؛ إذ يدعو صراحةً – وفي افتتان شديد – إلى الأخذ بالحضارة الغربية وأساليبها. فبعد أن رد سبب الإعجاب الشديد بالماضي إلى الشعور بالضعف والعجز، قال : « هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له دواء إلا أننا نربي أولادنا على أن يتعرفوا على شؤون المدنية الغربية، ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها. إذا أتى ذلك الحين – ونرجو ألا يكون بعيدا – انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة التمدن الغربي وتيقنا أنه من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسسا على العلوم العصرية الحديثة، وأن أحوال الإنسان مهما اختلفت – ماديةً كانت أو أدبيةً – خاضعة لسلطة العلم؛ لهذا نرى أن الأمم المتمدنة – على اختلافها في الجنس واللغة والوطن والدين – متشابهة تشابهاً عظيماً في شكل حكومتها وإدارتها ومحاكمها ونظام عائلتها وطرق تربيتها ولغاتها وكتابتها ومبانيها وطرقها، بل في كثير من العادات البسيطة كالملبس والتحية والأكل. هذا هو الذي جعلنا نضرب الأمثال بالأوربيين ونشيد بتقليدهم، وحملنا على أن نستلفت الأنظار إلى المرأة الأوربية ».([10])

إن الثورة التي دعا إليها قاسم أمين لم تقتصر على ميدان الاجتماع، بل شملت مجالات كثيرةً أهمها الأدب واللغة؛ فقد كان من الداعين إلى كتابة الآداب باللهجات العامية، ولا يخفى ما في هذه الدعوة من محاربة للغة القرآن التي أراد لأصحابها أن ينسلخوا منها كما انسلخت الأمم الأوربية الحديثة عن لغتها الأم ( اللاتينية ) .

ومحاربة لغة القرآن الكريم موقف عدائي ضد الإسلام نفسه؛ لأن الوسيلة الضرورية لفهم هذا الدين ومعرفة أحكامه وما ارتبط به من علوم، إنما هي اللغة العربية الفصيحة كما نزل بها القرآن الكريم على خاتم الأنبياء عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

إن إيراد قاسم أمين أنموذجا من النماذج العلمانية التي رفعت شعار التجديد وزعمت امتلاك منهج للاجتهاد بالرغم من أنه ليس فقيها ولا عالما بعلوم الشريعة؛ إنما كان بسبب الدور الطليعي الذي مثله منذ بداية القرن الماضي في حركة التغريب وهدم أركان الشريعة بالالتفاف الخطير على النصوص وتأويلها تأويلاً يفرغها من معاني أحكامها الصحيحة الصريحة.

 

2 – طـه حسين :

يُعد طه حسين أنموذجاً ممثلاً لفئة كبيرة من العلمانيين سارت على خطاه وحذت حـذوه في الدعوة إلى التجديد إلى حد الانقلاب على ما تعارف عليه الأصوليون والفقهاء من أبجديات العقيدة وبدهيات الشريعة.

والذي يقرأ مصنفات طه حسين يتبين لـه المسار الفكري الذي اختاره وكثيرون أمثاله؛ ذلك أن الرجل بدأ مرحلته الأولى بمهاجمة الإسلام مهاجمةً سافرةً، محاولاً التشكيك في أصوله ونصوصه من خلال كتابه في «الشعر الجاهلي» الذي أثار ضجةً كبيرةً وغضباً عـامـاً استتبع ردوداً متعددةً كشفت عن تهافت  الكتاب  وبطـلان

دعاويــه.([11])

ونظرا لقوة الضجة التي أثارها الكتاب والمصير الذي انتهى إليه ([12])، لجأ الكاتب إلى تغيير طفيف في الترتيب والأسلوب بحذف بعض العبارات التي تحمل كفراً صريحاً وهجوماً مباشراً على الإسلام، ثم أصدر كتاباً «في الأدب الجاهلي»، لكنه لم يخل -بدوره – من طعن ودس للسموم.

وفي الكتابين، أو على الأصح في الكتاب الأول والنسخة المعدلة منه دارت أهم المطاعن حول محور أساس تمثل في إنكار الوحي والقول ببشرية القرآن. ([13])

ومن أهم ما تضمنه كتاب «في الشعر الجاهلي» من إنكار صريح لما جاء به الوحي:

1 – طعن طه حسين في الدين الإسلامي بتكذيبه لما أخبر به القرآن الكريم؛ وذلك بإنكاره الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، حيث يقول: « للتوراة أن يحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة » ([14]) .

2 –  ذهابه إلى أن المسلمين ربطوا بين الإسلام من جهة ودين إبراهيم من جهة ثانية كي يثبتوا أولية الإسلام في الحجاز، وكي يوجدوا له جذورا في المنطقة، يقول: « أما المسلمون، فقد أرادوا أن يثبتوا للإسلام أوليةً في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي [ r ] وأن خلاصة الدين وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل » ([15]) .

3 – ذهابه إلى تفسيرات مخالفة لما تفيده الآيات الصريحة؛ فقد زعم أن مودة النصارى للمسلمين ليس سببها أن منهم قسيسين ورهباناً كما جاء في الآية الكريمة([16])، وإنما مرجعها – كما ادعى – قلة احتكاك المسلمين بالنصارى لانعدام وجودهم حول المدينة المنورة مركز الدولة الإسلامية الأولى : « وأما نصرانية النصارى، فلم يكن معارضتها الإسلام إبان حياة النبي [ r ] قوية قوة المعارضة الوثنية اليهودية… لماذا؟ ؛ لأن البيئة التي ظهر فيها النبي [ r ] لم تكن بيئةً نصرانيةً، إنما كانت وثنيةً في مكة ويهوديةً في المدينة، ولو ظهر النبي [ r ] في الحيرة أو نجران للقي من نصارى هاتين المدينتين ما لقي من مشركي مكة ويهود المدينة » ([17]) .

4 – وضعه القرآن الكريم مع التاريخ والأساطير في صف واحد بصفتها المصادر الموثوقة للحياة الجاهلية؛ يقول في هذا السياق : « وإن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم يضع، وإنَّا نستطيع أن نتصوره واضحاً قوياً بشرط ألا نعتمد على الشعر، بل على القرآن من ناحية والتاريخ والأساطير من ناحية أخرى » ([18]) .

5 – تشكيكه الخطير في الأحكام السابقة عن الشعر الجاهلي من خلال ادعائه أنه شعر منتحل ومصطنع لأسباب تتعلق بالدين والشعوبية واختلاف الرواة ([19])؛ فما نقل عن فحول شعراء الجاهلية يقول عنه طه حسين : « إنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب، أو صنعة النحاة، أو تكلف القصاص، أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين » ([20]) .

وإذا كان كثيرون قد تولوا الرد على مزاعم طه حسين في كتابه عن الشعر الجاهلي؛ فإنه لا يفوت في هذا المقام الإشارة إلى أكبر خلل منهجي وقع فيه. ذلك أنه ينطلق في بحثه من فروض هي مجرد تخيل قائم على الحدس والظن، غير أنه يسير في بحثه وكأن هذه الفروض قد ثبتت صحتها وسلّم بها حقيقة، ثم يقفز إلى استنتاجات يعدها نتائج علمية؛ مثال ذلك : افتراضه أن ما رُوي عن ابن عباس من حفظ الشعر القديم والاستشهاد به في معرض تفسير القرآن الكريم، إنما هو مجرد اختراع وُضع للبرهنة على أن ألفاظ القرآن الكريم كلها مطابقة للفصيح من لغة العرب – ولا يخفى ما في هذا الزعم من بطلان – ، أو أنه اختراع وُضع لإثبات أن ابن عباس كان من أحفظ الناس لكلام العرب الجاهليين، وعليه فإن إثبات قوة الذاكرة لابن عباس يخدم أهداف الشيعة السياسية؛ لأن ابن عباس كان يشهد بأن عليا أقوى منه ذاكرة.

وهذه الفروض التي ليس لها أي أساس علمي أو تاريخي، يبدأ صياغتها- غالبا -على نحو :

–                 «أليس من الممكن أن تكون قصة ابن عباس قد اخترعت لكذا وكذا من الأسباب ».

–                 «أليس من الممكن أن …»

–                 «لعل …»

–                 «أكاد أعتقد …»

هذه الفروض يحولها طه حسين بـ«لعل» و بـ«أليس من الممكن» من محض افتراضات واحتمالات بعيدة إلى نظريات ثابتة ونتائج علمية مؤكدة؛ حيث ينتهي إلى القول : « ولكننا محتاجون بعد أن ثبتت هذه النظرية (؟!) أن نتبين الأسباب المختلفة التي حملت الناس على وضع الشعر وانتحاله بعد الإسلام » ([21]) . ولا يجد الباحث أي سند علمي يفيد ثبوتها.

إن خطورة دعاوى طه حسين حول الشعر الجاهلي لا تقف عند حد الشعر الجاهلي نفسه، ولو كان الأمر كذلك لكان هيِّناً، ولكن مَكْمَن الخطر أن المسألة تمس النص الإلهي الموحى به إلى الرسول r ؛ إذ تحيله إلى نص بلا دليل من لغة العرب يدل عليه ويصدق إعجازه. ([22])

ذلك أن النص القرآني – عندما نزل – كانت العرب قد وصلت إلى قمة الفصاحة والبيان، فنـزل هذا النص ليعجزهم عن أن يأتوا بمثله أو بأقل سورة منه. قال تعالى:

–            } أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  { ([23])  .

–            } وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ { ([24]) .

–            } أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِـــــــــــــــــهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ { ([25]) .

والرقي اللغوي الذي وصله العرب – فصاحةً وبياناً -، جله كان شعراً لا نثراً، فلم تخل قبيلة – من قبائل العرب – من شاعر أو شعراء يتبارون في نظم أبلغ شعر وأعذبه، وكفى الشعر تأثيراً أن بيتا أو بضع أبيات منه كانت كفيلةً بالرفع من شأن قبيلة كلها أو الحط منها، بل كانت سببا كافيا لإشعال نار الحرب أو إطفائها.

وهذه العناية البالغة بالشعر – في عصر ما قبل الإسلام – شاهدٌ على حفظ اللغة أولاً، وبرهان على مستوى السمو والرقي الذي وصل إليه العرب بها ثانياً.

ودعوى طه حسين إنكار الشعر الجاهلي لا يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة – كما يقول أحد الباحثين – : « هو نزول النص الإلهي في أمة لا شاهد لها على فصاحة لغتها وإبانة لسانها؛ مما يجعل آيات كثيرةً من النص عرضةً للتقول بأنها غير ذات موضوع؛ لأنها أتت تتحدى العرب بفصاحة لغتهم وبلاغتها، وفي إنكار الشعر الجاهلي – الذي أودع لغة العرب فحفظها لهم – يصبح موضوع التحدي غير قائم أصلاً…»([26]).

هذه هي النتيجة الخطيرة التي تترتب على ما ادعاه طه حسين: تحويل لغة النص الإلهي إلى لغة لا دليل على أنها لسان عربي مبين إلا النص نفسه؛ مما يفتح المجال – واسعاً – أمام المنكرين للنص وقدسيته ليتقولوا عليه وعلى لغته الرصينة ما شاءوا من تقول وافتراء.

ومع أن دعاوى طه حسين قد حوصرت في مهدها بردود كثيرة، فإن تداعياتها لم تختف تماما؛ فقد مثلت أنموذجاً لكثير ممن جاءوا بعده وحاولوا الظهور بمظهر المجتهد المجدد كذلك، وهم – في حقيقتهم – لم يتجاوزوا تقليد أرباب الاستشراق الذين لم يأل كثير منهم جهداً للطعن في الإسلام وحقائقه الكبرى.

إن طه حسين وقاسم أمين وغيرهما ممن ساروا على نهجيهما لم يضيفوا شيئا أكثر من ترديدهم لآراء كبار أساتذتهم المستشرقين، وقد كفى بعض الباحثين مؤونة البحث والتقصي في هذه المسألة بتحقيق المرجع الأصلي لكل الدعاوى الخطيرة من مثل دعوى إنكار الشعر الجاهلي، حيث عقدوا مقارنات بين آراء الأستاذ المستشرق – المتقدمة زمنا طبعا – وبين صدى هذه الآراء لدى التلميذ المقلد.

والنتيجة التي انتهت إليها المقارنات هي أن ما زعمه طه حسين حول الشعر الجاهلي إنما هو إعادة صياغة لرأي([27]) المستشرق مرجليوت ([28]) ، وأن ما أراد أن يصل

إليه من فكرة بشرية القرآن إنما هو استنساخ لرأي المستشرق الإنجليزي جب.([29])([30])

[1] – صدر الكتاب عام (1899م) .

[2] – « تحرير المرأة لقاسم أمين ص59 » . نقلا عن : الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ، محمد محمد حسين . 1/294 . ولا أدري كيف غابت عن قاسم أمين الآيات الصريحة في الموضوع مثل قوله تعالى : } يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ { (الأحزاب:59) .

[3] – النور 30 – 31 .

[4] – الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر. 1/295.

[5] – جاء في تفسير الآية } ولا يبدين زينتهن… { : الزينة ما تزينت به المرأة من حلي ، أو كحل أو خضاب ، والمعنى : ولا يظهرن مواضع الزينة؛ إذ إظهار عين الزينة – وهي الحلي ونحوها – مباح ، فالمراد بها مواضعها ، أو إظهارها وهي في مواضعها لإظهار مواضعها لا لإظهار أعيانها . ومواضعها : الرأس، والأذن، والعنق، والصدر، والعضدان، والذراع، والساق… تفسير النسفي 2/500 .

[6] – ظهر هذا الكتاب سنة واحدة بعد صدور كتاب «تحرير المرأة» .

[7] – الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر . 1/302 .

[8] – كما هو الشأن في الفلسفات الإلحادية التي وجدت لها منظرين كباراً كان لهم أثر كبير في ساحة الفكر والسياسة؛ فقامت على أفكارهم ومبادئهم تنظيمات استطاعت أن تصل إلى الحكم وتؤسس دولا كبرى. مثل هيجل وماركس ولينين… وغيرهم .

[9] – المعروف عن قاسم أمين أنه ليس ذا إلمام بالعلوم الإسلامية، حتى إنه شاع نسبة كتاب «تحرير المرأة»  إلى أستاذه محمد عبده. الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر 1/301 .  والذي أراه أن المقصود بنسبة الكتاب هنا إلى أستاذه محمد عبده، هو نسبة ما جاء فيه من أفكار على العموم؛ لأنه لم يُعرف عن الإمام محمد عبده كل هذا الشطط في مخالفة النصوص الصريحة وإِِنْ أخذ عليه البعض منهجه في تفسيره لكثير من الآيات القرآنية .

[10] –  «المرأة الجديدة لقاسم أمين(185-186) » ، نقلا عن الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ، 1/310 .

[11] – من أهم الردود عليه : «تحت راية القرآن» أو «المعركة بين القديم والجديد»، لمصطفى صادق الرافعي، و«نقض كتاب في الشعر الجاهلي» لمحمد الخضر حسين، و«محاضرات في بيان الأخطاء العلمية التي اشتمل عليها في كتاب الشعر الجاهلي» للشيخ محمد الخضري ، و «الشهاب الراصد» لمحمد لطفي جمعة …

[12] – أحيل الكاتب والكتاب إلى المحكمة ، وصدر الحكم بمصادرة الكتاب وطرد الكاتب من الجامعة التي كان يتولى فيها عمادة كلية الآداب.

[13] – الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي ، محمد البهي ، القاهرة ، مكتبة وهبة . ط: 12 . (1411هـ/1991م) . ص 177-195 .

[14] – « في الشعر الجاهلي لطه حسين ص 26 »، نقلا عن كتاب: طه حسين بين الشك والاعتقاد، كامل محمد محمد عويضة. بيـروت، دار الكتب العلمية. ط: 1. (1414هـ /1994م) . ص 82؛ والاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر 2/299.

[15] – طه حسين بين الشك والاعتقاد ص 83 .

[16] – قوله تعالى : }  وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ{ (المائدة: من الآية82)

[17] –  طه حسين بين الشك والاعتقاد . ص 91 .

[18] – « في الشعر الجاهلي » ، نقلا عن الفكر الإسلامي المعاصر دراسة وتقويم ، غازي التوبة . بيروت ، دار القلم . ط: 7 . (1977م) ص 87 .

[19] –  « في الشعر الجاهلي » ، نقلا عن : الماركسلامية والقرآن ، محمد صياح المعراوي . ص 26 .

[20] –  م س . ص 26 .

[21] – الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر . 2/300- 301 .

[22] – الماركسلامية والقرآن ، المعراوي .ص 304 .

[23] – هود 13 .

[24] – البقرة 23 .

[25] – يونس 38 .

[26] – الماركسلامية ، المعراوي . ص 305 .

[27] – فرض (مرجليوت) عن الشعر الجاهلي ظهر في سنة (1925م) في إحدى المجلات الاستشراقية، وفي سنة (1926م) نشر طه حسين كتابه المشهور «في الشعر الجاهلي».

[28] – مرجليوت : دافيد صمويل مرجليوت ( 1858 – 1940م).( D.S.MARGOLIOUTH ): درس بأكسفورد الآداب الكلاسيكية ثم اللغات السامية، وعُيِّن أستاذاً بها سنة (1889م). له عدة مؤلفات عن الإسلام، مثل: «محمد والإسلام»، و«الإسلام». لكن تميزت دراساته بالتعصب والبعد عن المعايير العلمية مما أثار عليه سخطا كبيرا عند المسلمين، بل حتى عند بعض المستشرقين. من أعماله: نشر كتاب «معجم الأدباء» لياقوت، و«رسائل أبي العلاء»، و«نشوار المحاضرة» للتنوخي. موسوعة المستشرقين ، عبد الرحمن بدوي. بيروت، دار العلم للملايين.ط:1  (1984م) ص 379 .  

[29] – هاملتون ألكسندر جب (1895 – 1971م) (HAMILTON ALEXANDER GIIB   ) : مستشرق إنجليزي، ولد في الإسكندرية بمصر، وتلقى تعليمه في اسكتلنده. تخصص في اللغات السامية، وبعد وفاة سير توماس أرلوند سنة (1930م) خلفه على كرسي اللغة العربية في جامعة لندن وعلى التحرير في دائرة المعارف الإسلامية. ثم في سنة 1957 تولى إدارة مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفرد في الولايات المتحدة الأمريكية. نال جب شهرة تفوق قيمته العلمية لأسباب بعيدة عن العلم. وقد توزع إنتاجه بين الأدب العربي والأفكار السياسية الدينية في الإسلام. من مؤلفاته: «فتوح العرب في آسيا الوسطى»، «ترجمة تاريخ دمشق لابن القلانيسي» إلى الإنجليزية، «المحمدية»، «الاتجاهات الحديثة في الإسلام» . م س . ص 105 .

[30] – فصول في فقه العربية، رمضان عبد التواب. القاهرة، مكتبة الخانجي. ط: 6. (1420هـ/1999م). ص 64-68؛ و الماركسلامية والقرآن ، المعراوي . ص 29 ؛ والفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي ص 177 .

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سَرَقَةُ الدِّيْباج في مدح أمنا أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها )

سَرَقَةُ الدِّيْباج في مدح أمنا أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها )   هذه قصيدةٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *