الرئيسية / ركن الأخوات / خواطر مسلمة.. في معركة السفور والحجاب

خواطر مسلمة.. في معركة السفور والحجاب

خواطر مسلمة.. في معركة السفور والحجاب

صافي ناز كاظم

يلاحظ الدارسون لتحوُّلات القيم في المجتمع المصري المعاصر أن السفور كان حالة طارئة ، بدأت على استحياء منذ ما يقرب من خمسين عاماً ، وبلغت أوْجها منذ ثلاثين عاماً ، ثم بدأ صعودها البياني في التوقف ، ثم الهبوط ، ولا يزال آخذاً في الهبوط السريع منذ عشر سنوات ، وأن المؤشرات كلها تؤكد أن السفور يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وستعود – بالحتم – السيادة لقانون الله ، وأمْره بالحجاب .
ويلاحظ الجميع – على سبيل المثال – أن السفور في الواقع لم يكن مسيطراً إلا على شريحة صغيرة من تعداد المرأة المصرية المسلمة والقبطية على السواء ، فالمرأة الريفية والصعيدية والشعبية لم تتخلَّ أبداً عن الحجاب ، وهذا أمر دليله وبرهانه في جولة يقوم بها ذو عينين مسافراً بين القرى والنجوع . إذن فالبحث يكون مع التساؤل : كيف تسرب “السفور” – تلك الحالة الطارئة – إلى معاقل الحجاب ، وقلاع المرأة المسلمة ؟! .
كيف تحولت قضية “تحرير” المرأة المسلمة إلى حملة “سفور” ؟!
وكيف أخذت كلمة “تحرير” مدلول “سفور” ، على الرغم من أن التحرير يأخذ – في الإسلام – مدلول الحجاب ، فكانت المحجبة هي “الحرة” ، والسافرة هي “الأَمَة”؟! ، وهل كانت المعركة التي انتصر فيها “السفور” على “الحجاب” في بلاد الإسلام ، هل كانت معركة شريفة حقاً ، انتصر فيها “السفور” ؛ لأنه التطور الحضاري المرتقب – كما زعموا ويزعمون – ولأنه الرغبة الفعلية للمرأة ، واختيارها الحر من أجل خلاصها ؟ .
إن الثابت تاريخياً أن حركة “السفور” تطابقت زمنياً في الدول القوية الثلاث : مصر ، تركيا ، إيران ، فلقد ألقت هدى شعراوي وسيزا نبراوي حجابيهما ، وداستاهما بأقدامهما فور وصولهما من مؤتمر النساء الدولي ، الذي عُقد بروما صيف عام 1923 ، وفي تركيا قام أتاتورك عام 1925 بإجبار تركيا بأكملها – وليس المرأة فقط – على هجر الإسلام كلية ، حتى الحرف الذي تُكتب به اللغة التركية متشابهاً مع لغة القرآن ، أما نزع حجاب المرأة التركية فقد تم بالإرهاب والإهانة في الطرقات ، حين كانت الشرطة يقوم بنزع حجاب المرأة التركية بالقوة ، وعندما نصَّب الإنجليز الكولونيل “رضا خان” شاه إيران عام 1926 – مؤسساً للأسرة البهلوية – قام هو الآخر من فوره بأمر الشرطة بالتعرض لكل امرأة محجبة ، ونزع حجابها غصباً ، وحظر على الفتيات المعلمات وضع الحجاب ، ودخول مدارسهن به ، ومنع أياً من ضباط الجيش من الظهور في الأماكن العامة في الشوارع برفقة امرأة محجبة ، مهما كانت صلتها وقرابتها به.
هذه الرياح العاصفة التي هبت هكذا في منتصف العشرينات ؛ لتقلع المرأة المسلمة من اختيارها العقائدي الحر بالتزام الحجاب الشرعي – متدبرة هذه الآية الكريمة : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً [الأحزاب:36].
هذه الرياح العاصفة القامعة الإرهابية هل كانت صدفة في المنطقة ؟ ، وهل كان تركيزها على حجاب المرأة المسلمة مسألة عفوية ، قُصد بها الحجاب فعلاً ، وخلاص المرأة أصلاً ، أم كانت تستهدف – في ضميرها – ما هو أخطر وأبعد من الحجاب ؟!
إن المتأمل في النصف الأخير من القرن التاسع عشر مع مطلع القرن العشرين – في إطار الوطن الإسلامي – لن يغيب عنه تميُّز هذه الفترة بالنشاط والحيوية ، نشاط وحيوية المخاض ، التحضير والإعداد وشحذ الهمم والطاقات لإرساء بدايات واعدة لنهضة وبعث شعوب المنطقة من سُباتها الطويل ، وتمهيد الأرض لميلاد صحي للأجنة الشرعية المنبثقة من الإسلام ، متجاوزة عصور الكبوات والتحريف ، مادة حبلها السُّرِّي ؛ لتتغذى مباشرة من صدر الإسلام .
لكن هل كان من المقبول – لدى الطيور المفترسة المحوِّمة ، القادمة من الغرب المغتصب للانقضاض والثأر من “صلاح الدين” – أن تترك للمخاض النبيل مداه ، حتى يُولد طفل الرؤيا الجميلة ؟!
الإجابة هي الواقع الذي حدث على مدار السنوات الطويلة الماضية ، والواقع الذي يحدث الآن .
كان الغرب قد تعلَّم – منذ الحروب الصليبية – أن الحرب الصريحة المعلنة بالجيوش لضرب الإسلام نتيجتها الهزيمة ، فقد استجاشت في صدور المسلمين النار الخطرة ، التي استعرَّ لهيبها ما يزيد على القرنين ، حتى تم اندحار المعتدين على يد القائد المسلم – الكردي – “صلاح الدين” ، وجنده المسلمين على اختلاف أجناسهم ، وكان على الحقد الغربي أن يتريث ؛ ليغير أسلوبه للوصول إلى غرضه القديم ، وهو اغتصاب كل الأرض التي انتشرت عليها العقيدة الإسلامية ، وحصْر أمة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” في جزيرة العرب ، بعد تمزيقها أشتاتاً في قبائل جاهلية مرتدة عن دين الله الحق ، يضرب بعضها أعناق بعض.
وكان الغرب قد نجح – بالغدر ونقض العهد والإرهاب – في محو الإسلام نهائياً من أرض الله أسبانيا (أندلس المسلمين) عام 1609 م (أيام العصر الشيكسبيري بعد تأليف هاملت ، وقبل وفاة شيكسبير بسبع سنوات ، أيام العصر الذهبي للحضارة والثقافة الغربية في أوروبا) – ويشهد المستشرق “نيكلسون” على أسلوب إبادة المسلمين من أرض الله (أسبانيا) ، فيقرر هذه الأسطر (الصفعة) على وجه الحضارة والرقي الأوروبي المزعوم ، فيقول نيكلسون – في كتابه “التاريخ الأدبي للعرب” (ص441) – ما أترجمه حرفياً: “في عام 1492م فُتحت آخر قلاع عرب الأندلس لفرديناند وإيزابيللا ، وحلَّ الصليب محل الهلال على أبراج غرناطة ، وأظهر المنتصرون تعصباً وحشياً ، بلغ من بشاعته أنه انتهك تعهداتهم المغلظة ، بأن يحترموا الدين وممتلكات المسلمين ، وتناقض تعصبهم تناقضاً كاملاً مع التسامح والمعاملة التحرُّرية (الليبرالية) ، التي تمتع بها المسيحيون تحت الحكم الإسلامي ، وأمام الإجبار على الاختيار بين الردة أو الهجرة – فضَّل الكثير من المسلمين الهجرة ، أما هؤلاء الذين بقوا فقد تعرضوا لاضطهاد بشع حتى جاء عام 1609 ، فتم بأمر من فيليب الثالث – طرد كل مَن كان من أصل عربي ، وتم طردهم من الأرض الأسبانية طرداً جماعياً” (1).
وهكذا بعد موقعة النصر – بالغدر والإرهاب – على مسلمي الأندلس الغافلين ، استمرأت الشهية الغربية لحوم المسلمين ، ووجدوا أن في الصيغة المؤلفة من الخديعة والتسلل مع الإرهاب والغزو – ما يمكِّنهم من الانتصار على “صلاح الدين” ، ولو بعد حين ، ومن ثم حين ماج القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بمخاض بعث إسلامي – كانت حربة إبليس ذات الثلاث أسنان قد صُوِّبت ونشبت في لحم المنطقة مجهضة طفل الإسلام الشريف ، طارحة – في المقابل – أطفالها : “بهائية” ، “صهيونية” ، “ماسونية” : توائم دميمة ثلاثة لمنطلق واحد واستراتيجية واحدة ، وبتكتيك يختلف باختلاف الموقع والتكليف:
– فالبهائية : تطلب السلام بين القاتل والمقتول ، ونزع السلاح من المظلومين والمجني عليهم ، بينما تتسلل تفكك عُرى المسلمين مع شريعتهم عروة عروة ، حتى الانسلات الكامل.
– والصهيونية : تمارس الاغتيال والإرهاب ، واغتصاب الأرض شبراً شبراً ، ثم وطناً وطناً.
– والماسونية : تلف حبائلها لتشد وتشل – إلى قيادتها وتوجيهاتها – عقول المثقفين والأدباء والشيوخ والعلماء والقادة الاجتماعيين والساسة ، وتصنع على عينيها الأحزاب السياسية ، التي تسرق البعث من الإسلام ، والوحدة من المسلمين ؛ ليصير البعث بعثاً من العصبية العرقية الجاهلية قبل الإسلام ، وتكون الوحدة بين كل مَن تبرأ في سلوكه من الإسلام – بدعوى شعار براق آخر هو “مسايرة العصر” – وكل مَن انحاز للادينية (العلمانية) ، وتبنَّى النقاط السبع الجوهرية في البهائية ، وأهمها :
1- فصل الدين عن الدولة. 2- إباحة الربا. 3- نزع حجاب المرأة.
إن أحداً لا يماري في أن المرأة المسلمة في العالم – وفي مصر – كانت قبل وعند مطلع القرن العشرين ، ترسف في أغلال تراكمات السنوات الطويلة من الإهمال والجهل والحرمان من حقوقها الشرعية ، التي كفلها لها الإسلام في التعلم والدراسة واختيار الزوج .. الخ ، وكانت في إطار الظلم العام ، والتآمر الذي كان واقعاً على المواطن المسلم على مساحة الوطن الإسلامي – كانت تعاني ظلماً مضاعفاً ، وتتهدد بتآمر أخطر ، وكان بعض علماء الدين التقليديين قد ركنوا إلى قواقع ، هربوا إليها ، منسلخين من مسئوليتهم الإسلامية الجوهرية في ريادة الأمة ، والاضطلاع بحمل متطلباتها السياسية والاجتماعية والثقافية ، في الوقت الذي لم تأخذ قضية تحرير المرأة المسلمة شيئاً يُذكر من اهتمام الطليعيين من علماء الشريعة ، فكان حظ المرأة المسلمة من الالتفات – إسلامياً – لمحنة ظلمها الاجتماعي ، الذي أعادها إلى عذابات موروثات من العقلية الجاهلية قبل الإسلام ، التي يسودُّ وجهها كلما بُشِّرت بالأنثى ، فتلجأ إلى وأْدها ، كان حظ المرأة المسلمة ترديداً مبتوراً للآية الكريمة : {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّج الجاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[الأحزاب:33] ، مع إغفال الآية الملحقة : {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خبِيراً[الأحزاب:34] ، مع ما تعطيه هذه الآية الكريمة من منهج قرآني مرسوم لمهمة المرأة المسلمة ، التي أُمرت من قِبَل القرآن بالتزام بيتها – لا لكي تجلس ، كما كان يحدث لقرون طويلة ، في فراغ أو زحام من الجهل والتفاهة واللافاعليةپ- ولكن لتأدية عديد من المهمات لإعدادها كادراً إسلامياً ، لها موقعها الأساسي في المجتمع الإسلامي منها :
أولاً : المهمات التعبُّدية :
رياضة لجسمها وروحها {وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[الأحزاب:33] .
ثانياً : المهمات التعليمية :
بناءً لعقلها وثقافتها ووعيها ، ومن ثم فاعليتها في جسم المجتمع الإسلامي : {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خبِيراً[الأحزاب:34] ، وعند كلمة “الحكمة” تنبجس – أمامنا – المئات من عيون المعرفة والخبرات ، وأبواب توظيفها ، وتتشكَّل أمامنا – تربوياً وعلمياً وثقافياً – تلك المرأة المسلمة ، كما يرسمها القرآن الكريم ، ويريدها الله والرسول – صلى الله عليه وسلم – ونرى بعين الرؤية الإسلامية : امرأة نظيفة ، نشطة ، جادة ، لها زيها المتميز عن الجاهلية وعن الكتابية {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً[الأحزاب:59] ، تغض بصرها ، لكنها لا تخضع بالقول ، فهي قوية نابهة ، تدربت إسلامياً ؛ لتعرف الفرق بين التهذيب والضعف ، الذي يثير الطمع ، وهي متفقهة في دينها ، تعرف كتابها ، وتوجيهات رسولها – صلى الله عليه وسلم – وتتلقى من منابعهما “الحكمة” ، التي تربي وعيها ، كذلك لتتعرف على إمام زمانها ، الذي عليها أن تبايعه ، وتتبعه نصرة لله والرسول – صلى الله عليه وسلم – وهي امرأة قارئة ، كاتبة ، متأملة ، مفكرة ، مستنبطة ، مستوعبة ، تعرف تفاصيل قوانين شريعتها وفقهها ، كما تعرف أصول حكومتها ، وتدرك كيف يكون الحاكم العادل ، ومتى يصير – بالمفهوم الإسلامي – جائراً ، فتُلزم ، وتؤمر – مع مجتمعها المسلم – بتقويمه ونصحه ، أو مجاهدته.
هي نصف متزامل مع الرجل المسلم في حشد بديع ، يأتي به القرآن صفاً من ضياء وعبق المسك ، كما ورد في الآية الكريمة : {إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجراً عَظِيماً[الأحزاب:35].
هذه الصورة الكريمة الناصعة للمرأة المسلمة – كما حدد معالمها القرآن الكريم – طُمست وتلاشت (إلا في حالات استثنائية نادرة) عبر القرون التي اتخذ فيها المسلمون {هَذَا القُرْآنَ مَهْجوراً[الفرقان:30] ، فتحولت المرأة المسلمة إلى كائن جاهل خامل ، متخلف الحس والإدراك ، فاقد الوعي ، منكمش في تواجد باهت على هامش المجتمع ، وكان لا بد أن يؤدي هذا الطمس والجور – على قانون الله – إلى سرقة مطلب “تحرير المرأة” من منطلقاته وتصوراته الإسلامية ، بعد أن تقاعس علماء المسلمين عن أن يكونوا أول مَن يقود الحملة لمحو أمية المرأة ، والدفاع عن حقوقها الشرعية ، وإعادتها إلى ملامح ومعالم صورتها ، كما قررها القرآن ؛ لتنبعث حرة عزيزة من أرضيتها العقائدية ، وتراثها الثقافي والفكري.
وهكذا – وفي غياب المبادرة الإسلامية للتصويب – وقعت قضية تحرير المرأة المسلمة في أيدي غير الأمناء ، ممن لا ينطلقون من أرضية أو تصوُّر إسلامي ، وتقدم كل مَن هب ودب ؛ ليدلي بدلوه في مسألة تحرير المرأة المسلمة: ما بين صديق جاهل ، وعدو ماكر ، استطاع في نهاية الأمر – بعدائه ومكره – أن يكتِّل الصديق الجاهل إلى معسكره المعادي للإسلام ، ويستثمر جهله لضرب معاقل المسلمات ، وهتك سترهن ، كجزء من المخطط الأسود الشامل على كل الأصعدة لضرب الإسلام والمسلمين ، وإلغاء شريعتهم – لا سمح الله – حيلولة ، ومنعاً لانبعاثهم الحتمي رحمة للعالمين ، ولو كره الكافرون.
وفي مولد هذا الشعار البَرَّاق – “تحرير المرأة” – انفسح المجال أمام الرواد العظام من “تجار الشنطة الثقافية” ، القادمين من أوروبا ومن أمريكا أخيراً – ليصولوا ويجولوا ، محمَّلين بأشكال وأنواع بضاعة الثقافة الغربية ، بموروثاتها الجاهلية الوثنية الإغريقية ، ومعها نماذج المرأة الأوروبية والأمريكية ، التي كانت قد نالت حريتها حديثاً ، متشكلة من رصيد فكري واجتماعي وديني خاص بها وحدها ، لا تنتمي إليه ، ولا يمكن أن تنتمي إليه المرأة المسلمة بحال.
وككل الباعة الجائلين ، كانت أصوات “تجار الشنطة الثقافية” – هؤلاء – أعلى الأصوات ، وأكثرها صخباً ، وككل الباعة الجائلين – كذلك – كانوا يعرفون الكلمة التي تقال لتبهر وتجتذب ، والبضاعة التي تُدس لتسلب ، ونعجب الآن – ونحن ننظر إليهم على بُعد ما ينيف على النصف قرن – كم كان واضحاً كونهم مندوبي مبيعات شامخي الأنوف مع مواطنيهم ، مهدوري الكرامة للرؤوس الأوروبية الغربية الداهية ، من صهاينة وصليبيين وماسون ، وكم كان واضحاً – على الرغم من الحذلقة – تشتُّتهم الفكري ، وسطحيتهم – كنقال ببغاويين – بنداءاتهم الفجة ، التي لا تخلو من وقاحة وسوقية ، لهجر التأصيل من الذات لحساب التبعية الفكرية لغرب يمقتنا ، ديناً وجنساً وتاريخاً ، ويمارس معنا فوقية وغطرسة واحتقاراً ، وهو يحضر الأنشوطة وراء الأنشوطة ؛ لتلتف حول أعناقنا ، جاذبة جباهنا عند أقدامه: جباهنا نحن المسلمين أصحاب العزة من الله : {وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ[المنافقون:8].
كان مطلب “تجار الشنطة الثقافية” هؤلاء أن يجعلونا ننظر بإكبار لإنجازات أوروبا – بسبب ما وصلت إليه من قوة البخار والكهرباء – ونضعها أمامنا قدوة ومثلاً أعلى ، نسعى للوصول إليه ، ونتشكل بشكله ، ومن ثم يصير كل شيء – ينتسب إلينا ، أو ننتسب إليه ، يتعلق بنا أو نتعلق به من أصولنا – يصير سلفياً ، جامداً ، مرفوضاً ، يجب التنصل منه ، والاعتذار عنه ، كأنه جذام أو عاهة ، وكان المطلوب أن نعتقد معهم بأن أوروبا والغرب قلعة للحرية والديمقراطية والتمدن واحترام الإنسان ، بينما يدوس النعل الأوروبي والغربي وجه الوطن الإسلامي ، اغتصاباً وإرغاماً وسحقاً تاماً للإنسان وحريته وكرامته واستقلاله.
هؤلاء الباعة الجائلون الصم العمي الثرثارون – من “تجار بضاعة الشنطة الثقافية” – يكتب عنهم لويس عوض ، مؤيداً بأنهم أبناء الثقافة الغربية والمفهومات الغربية والوثنية الفرعونية – القومية المصرية – ويضعهم بسبب ذلك موضع الاستحسان والافتخار ، مما يثبت لنا أن عمليتنا الحسابية سليمة ، حيث نضعهم نحن موضع الاستياء والإدانة (2).
ومع سرقة مطلب تحرير المرأة المسلمة ووقوعه في أيدي الجهلة والأعداء و”تجار الشنطة الثقافية” – كان الدأب منذ البداية لجعْل القضية قضية “تحرير المرأة” فقط ، مع إسقاط التعيين “المسلمة” ، ومن ثم ربطها بقضية تحرير المرأة في العالم ، كأنما صارت هناك قومية خاصة اسمها “القومية النسائية” ، تربط المرأة المسلمة بالمرأة المسيحية ، بالمرأة اليهودية ، بالمرأة عابدة البقر والأوثان ، بالمشركة ، بالملحدة..الخ ، كأن قضيتهن واحدة ، ومطالبهن واحدة ، وأهدافهن واحدة ، ومعتقداتهن واحدة ، وكان السعي – فعلاً – حثيثاً لتأخذ المرأة المسلمة ملامح المرأة الغربية ، وكلما تطابقت صورتها مع الغربية زاد الإعجاب بها ، وتقريظها بأنها لا تفترق عن الأجنبية ! ، حتى سقطت المرأة المسلمة فيما لم تسقط فيه حتى عابدة البقر ، التي ظلت معتزة بزيها الخاص (الساري) ، وتميُّزها بالنقطة الحمراء بين عينيها.
كذلك كان الدأب الأهم لفصل قضية تحرير المرأة المسلمة عن قضية تحرير الوطن المسلم ، وفصل قضية الظلم الواقع عليها عن قضية الظلم الواقع على الرجل المسلم – تجزئة للقضية الواحدة من أجل أن تتفتت في مسارات متباينة متعارضة ، بل ومتصارعة ، إذ لم يقف الأمر عند الفصل ، بل تعداه إلى أن جعلت المرأة المسلمة تقف خصماً أمام الرجل المسلم وأمام الوطن المسلم ، تقف خصماً ضد شريعتها : تمتلئ رعباً وهلعاً كلما قيل لها: هناك مَن يطالب بتطبيق حكم شريعتك ، وتنفرج أساريرها فرحة بانتصار انهزامي كلما خرجت من النظم العلمانية بقانون خائب للأحوال الشخصية ، مستلهم من قوانين الغرب المغتصب لبلادها ، المهيمن على مقدرات أهلها ، المستذل لناسها ، المقيد لحرياتهم ، والواقف عقبة في طريق تحررهم واستقلالهم ، راجية – في بلاهة واستخذاء – العدل من أيدي الجناة ، لاجئة إلى السجان والجلاد ؛ لكسر قيدها ، وعتق رقبتها !
وقد استمر – فعلاً – الالتواء بقضية “تحرير المرأة المسلمة” ، فتحول من قضية للتحرير من عبودية الظلم والجهل ، ومطلب للانبعاث من حقوقها الشرعية في التعلم والإنسانية – التي كفلها لها الإسلام – إلى حركة تنحرف إلى المطالبة بنزع الحجاب ، وحملة للسفور ، وتحقيق ذلك ، مع كسر متواصل دؤوب لأصول وميزان الإسلام في البناء العقلي والنفسي والعصبي للمرأة المسلمة المعاصرة ، حتى وقعت – في النهاية – فريسة بين جاهليتين : جاهلية قديمة تستمد موروثاتها المتخلفة من عقلية قبل الإسلام ، تقوم بوأد البنات ، وجاهلية جديدة غربية تستمد موروثاتها المتخلفة من عقلية مادية تجارية ، ذهبت إلى طرفي نقيض باستغلال أنوثة الأنثى ، واستثمارها في إعلانات تسويق السلع والجذب السياحي والتشويق الفني المحبِّذ لإباحة الأنثى ، وشيوعها ، وتقديمها كأحد أطباق المتعة للسيد “الرجل” !
وكانت النتيجة الطبيعية أن وجدنا – بعد مرور كل تلك السنوات على مطلب تعليم المرأة – غالبية النساء المسلمات ظللن أميات جاهلات مسلوبات ، حتى من معرفتهن بعموميات الإسلام ، التي كانت تلقَّن لهن ، بينما تفشت بينهن – بسرعة البرق – نزعة العري والانسياق السوقي وراء قيم ومفاهيم المرأة الغربية ، التي وُضعت لهن كمثل أعلى ، يحبَّذ اتباعه وتقليده ، فلم تتحرر المرأة المسلمة ، بل وقعت – بشكل أسوأ – في الرق الجاهلي الجديد. غير أن تحولات الوعي ودلالات الواقع تؤكد أنه قد آن الأوان لهذا المرض الطارئ – السفور وملحقاته الذي حطَّ على أدمغتنا ، وأعمى عيوننا ما ينيف على الخمسين عاماً – أن ينقشع ، وأن نبرأ منه ككل باطل مصيره أن نقذف بالحق عليه ، فنزهقه {إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً[الإسراء:81].
وطُوبى لمَن تنزع عنها غلالة الردة الرجعية ، وتعود من اغترابها وغُربتها ، تأتي اليوم وغداً بالحجاب ، ومعها العلم والوعي والعمل والحرية بإذن الله ، ووفق شريعته .
الهوامش :
(1)A Literary History of the Arabs, R.A. Nicholson, Cambridge Univ. Press, p.p. 441, 1977.
(2) لويس عوض ، مقال : تأملات في الثقافة المصرية ، الأهرام ، 24 من مايو عام 1981 ، ص12 ، عمود رقم 4 ، سطر رقم 19-27

عن habib

شاهد أيضاً

من خطوات التأسيس الأولى للحركة الإسلامية المغربية الحلقة 18

من خطوات التأسيس الأولى للحركة الإسلامية المغربية الحلقة18 فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي الحسني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *