الرئيسية / الحركة الإسلامية المعاصرة / من خطوات التأسيس الأولى للحركة الإسلامية المغربية(6).

من خطوات التأسيس الأولى للحركة الإسلامية المغربية(6).

من خطوات التأسيس الأولى للحركة الإسلامية المغربية(6).

 

فضيلة الشيخ

عبد الكريم مطيع الحمداوي

مؤسس التيار الإسلامي المعاصر في المغرب

هذه الحلقات وغيرها إن شاء الله هدية لمقام أبنائي من الثابتين على الطريق، الأوفياء للعهود، على رغم المشاغبات التي يثيرها المفتونون بجمع غنائم أرصفة الطريق.. ، وإلى أحرار المتطلعين للحقيقة والمستفيدين منها مع خالص المودة والتحية.)

الحلقة السادسة

في الوقت الذي كان اليساريون بكل فئاتهم، تلامذة ثانويات وطلبة جامعات وساسة يكادون يشتعلون وعيا سياسيا وتنظيميا ونشاطا حركيا، وعلى اطلاع بكل ما يقع في العالم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وإديولوجيا، كان جمهور كبارنا منغلقا على الشأن الفردي لا يكاد الواحد فيه يطالع الجرائد الوطنية اليومية أو يعرف سياسة الأحزاب المحلية أو يسأل عن وزير رفع أو أقصي، أو يعرف عن الحركات الإسلامية العالمية أكثر من أسمائها، بل ويعتبر الاهتمام بهذه القضايا ومعرفة تفاصيلها مضيعة للوقت وفضولا زائدا. فرأيت أن أكسر هذه الشرنقة التي تحتويهم وتحجب عنهم ضوء الشمس في رابعة النهار، وأحملهم على الانفتاح على العالم واستدرجهم للاهتمام بضرورة تغيير الواقع، وسلكت لذلك عددا من المسالك واتخذت له عددا من الأساليب:
طرحت أولا قضية دراسة نظم الحكم وأثرها في استتباب الأمن الحقيقي داخل الأمة، فكان رد فعل البعض أن وافقوا – على مضض – وكونوا لجنة لذلك تراجع تاريخ المغرب وتلخص لنا ما تستخلصه من دراستها فتناقش في جلسات المعلمين. وكلفوا شخصين آخرين بمتابعة الصحف المحلية واستخلاص أهم ما يرد فيها وعرضه علينا كل أسبوع لمناقشته وتحليله، واثنين آخرين بمراجعة التاريخ الإسلامي من العهد النبوي إلى سقوط الأندلس، وأخرى من النهضة الأروبية إلى سقوط العالم الإسلامي بيد الاستعمار الأروبي.
وفي هذه الأثناء زارني من اسبانيا شاب سوري من اتحاد الطلبة المسلمين في قرطبة هو نزار الصباغ، وقدم لي دعوة لحضور مخيم لللطلبة المسلمين في الأندلس يعقدونه أول الشهر السابع من سنة 1971 في غرناطة، فوافقت على أن أصحب معي شخصين من جماعتنا، على رغم ما في هذا الشرط من عدم مراعاة لقصور قدرتهم المادية عن ذلك.
كان هدفي من الموافقة وحرصي على استصحاب غيرى، أن أفتح الأذهان على تجارب غيرنا وأساليبهم في العمل الإسلامي، وعندما حان الموعد أخذت معي الأخوين إبراهيم كمال لأن له تجربة سابقة من نشاط في العمل التخييمي لتلامذة المدارس صيفا، والأخ محمد زحل لكونه لم يخرج مطلقا من المغرب ولم يحضر تجمعا شبابيا مطلقا منذ تخرج من مدرسة المعلمين.
كان وصولنا برا إلى مخيم الطلبة المسلمين في اليوم الأول من يوليوز 1971، وقد انعقد في غابة بضاحية من ضواحي غرناطة، وكان في استقبالنا منظمو الملتقى مع الأخ نزار الصباغ، وكان من ضيوف المخيم الشيخ زهير الشاويش، والشيخ ناصر الدين الألباني من سوريا، وألقى الأول محاضرة عن العمل الإسلامي وآدابه وشروطه، وألقى الشيخ الألباني درسا حول حجية الآحاد والعمل بها، وطُلِب مني أن أتحدث عن العمل الإسلامي في المغرب والأوضاع السياسية فيه.
كانت محاضرة الشيخ زهير الشاويش مركزة ومفيدة، ودرس الشيخ الألباني كذلك.
ثم لما جاء دورى وألقيت كلمتي عن الأوضاع في المغرب، وختمتها بتخوفي من احتمال انقلاب عسكري وشيك يعوق استكمال بنائنا لحركتنا الإسلامية الوليدة، سألني الأخ زحل في خلوة بيننا بقوله:( أرى أن الأوضاع في المغرب مستقرة وما ذكرته عن التغيير مستبعد جدا) فأجبته:(أسأل الله أن يكون رأيك الأصوب).
رجعنا إلى المغرب في اليوم الخامس أو السادس من شهر يوليوز ، ولم نكد نرتاح من وعثاء السفر البري ذهابا وإيابا حتى فوجئنا بحادثة محاولة انقلاب الصخيرات الفاشلة، التي قادها الكولونيل محمد عبابو والجنرال محمد المذبوح ومجموعة جنرلات تخرجوا من المدارس العسكرية الفرنسية ينتمون في غالبيتهم لأسر كانت تتعاون مع السلطات الفرنسية قبل الاستقلال، ووراءهم سرا الجنرال أوفقير اليد الأمنية الأولى للملك الحسن الثاني.
وإذا بالأخ محمد زحل يزورني في البيت مندهشا مما قلته في اسبانيا، وسائلا عن مصدر معلوماتي، فبينت له أن مصدري مجرد متابعتي بدقة للأحداث، واطلاعي على ما يقع من تطورات، واتباعي لمناهج الاستقراء والاستنتاج والبحث العلمي، وأن ملاحظته السابقة في مخيم اسبانيا لم يكن بها بأس مطلقا ولا ضير فيها.
وعندما التقيت بأحد زملائي القدامى هو الأخ محمد واحي وكان مديرا لمدرسة ابتدائية في ضواحي الرباط حدثني عما عرفه عن هذا الانقلاب فقال: “قبل الانقلاب طلب مني الجنرال مصطفى أمحراش أن أعلم في بيته بنتا له صغيرة مبادئ العربية الدارجة فكنت أزوره مرتين في الأسبوع وإذا بزوجته فرنسية وأبوها جنرال فرنسي، وهي تتحكم فيه تحكم أي جنرال في أحقر جندي”، وأنه قال له قبل الانقلاب بأسبوع: “لا تحضر لتدريس البنت في الأسبوعين القادمين وانتظر سماع أخبار سارة”، فظنها الأخ واحي دعوة لاحتفال عائلي أو رسمي، ولكنها كانت ترقبا لحادثة محاولة الانقلاب، فحمدتُ الله على أن فشل هذا الانقلاب، ونجت دعوتنا الإسلامية الوليدة من أن توأد في مهدها، لأن الأنظمة العسكرية دائما هي الخصم غير المتسامح مع دعوة الإسلام في كل قطر.
لقد كان أهم ما تعلمته في حياتي السياسية منذ انخرطت في المقاومة المسلحة للاستعمار الفرنسي، ثم في العمل السياسي الحزبي بعد الاستقلال وفي حواراتي مع المعارضة المغربية بكل فئاتها، يساريين معتدلين وماركسيين ولينينيين وماويين وغيرهم، أن نمت حاستي السياسية بمحاولة استقراء الحاضر واستجلاء معالم المستقبل، من ذلك أنني عقب عودتي إلى المغرب من المؤتمر التأسيسي للندوة العالمية للشباب الإسلامي التي استضاف فيها الملك فيصل رحمه الله أعضاء أمانتها العامة على طعام العشاء، وكان من عادتي أن أقدم للإخوة عرضا عن كل سفر قمت به، سئلت عن الوضع السياسي في المملكة السعودية فأجبت: “يبدو أن الملك فيصل مهدد بالتصفية من قبل الغرب لما لسياسته العربية الإسلامية من الخطر على مصالحه”، وبعد أيام قليلة فوجئنا باغتياله، فسئلت من قبل الإخوة عن ذلك فكان جوابي هو ما قلته من قبل للأخ زحل.

وذلك ما اكتشفه في تصرفاتي الدكتور توفيق الشاوي بالسعودية أثناء هجرتي إليها، وقد عرض علي منصبا في السودان عند النميري فرفضت، ثم عرض عليَّ كمال الهلباوي بتوجيه منه التطوع في بيشاور للتحريض على الجهاد في أفغانستان قبل انقداح ناره فرفضت، ثم أرسل إليَّ يوسف العظم وعزت جرادات وهما من إخوان الأردن، لاستضافتي في الأردن باسم الملك الحسين الذي يريد التوسط لي لدى الملك الحسن الثاني – حسب زعمهما – وحددا موعدا لقدومي واستصدرا لي تأشيرة شرفية للدخول، فلم أستجب، فصارحني الدكتور توفيق الشاوي بكل صلافة في الهاتف من جدة غاضبا متضايقا ومهددا بقوله: “أنت يا أخي مقيم في مكة تدمن على التحليل والرفض، والسعودية متضايقة من وجودك فيها، وأنا قد أنفض يدي من أمرك”، فأجبته: “ومن طلب منك أخي أن تضع يدك في أمري؟، انفض يدك عاجلا، لست قاصرا أو متسولا أو سفيها أو متخلفا عقليا”، وبادرت فحجزت تذكرة سفر لروما، لولا أن الدكتور عبد الحميد أبوسليمان الأمين العام للندوة العالمية ونائب وزير التعليم العالي الشيخ حسن آل الشيخ اعترض على سفري بشدة واعتذر وقال: “الدكتور توفيق الشاوي مصري ولا يمثل السعودية ولا يتحدث باسمها وهو مجرد مقيم بها”.

عن habib

شاهد أيضاً

مقدمات التمهيد لمصالحة بدون انصاف

مقدمات التمهيد لمصالحة بدون انصاف بقلم زكرياء بوغرارة  مشرف موع أدب السجون معتقل سياسي سابق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *