الرئيسية / المنبر الحر / هل يَعبُد المسلمون الكعبةَ والحجَرَ الأسودَ؟

هل يَعبُد المسلمون الكعبةَ والحجَرَ الأسودَ؟

هل يَعبُد المسلمون الكعبةَ والحجَرَ الأسودَ؟

الناشر مركز سلف للبحوث والدراسات

 

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وهدنا صراطه المستقيم.

وبعد، تثار شبهة في المدارس التنصيريّة المعادية للإسلام، ويحاول المعلِّمون فيها إقناعَ أبناء المسلمين من طلابهم بها، وقد تلتبس بسبب إثارتها حقيقةُ الإسلام لدى من دخل فيه حديثًا([1]).

يقول أصحاب هذه الشبهة: إن المسلمين باتجاههم للكعبة في الصلاة وطوافهم بها يعبُدُون الحجارة، وكذلك فإنهم يقبِّلون الحجرَ الأسود، فما الحكمة في الاجتماع على تقبيل الحجر الأسود إذا عرفنا أنه حجر لا يضرّ ولا ينفع، ولا يخفى ما في ذلك من المظاهرة الوثنية؟!

يقول الشيخ محمد رشيد رضا في مناقشته لهذه الشبهة: (‌ما ‌ذكره ‌السائل في تقبيل الحجر الأسود قد سرى إليه من شبهات النصارى والملاحدة الذين يُشكِّكُون المسلمين في دينهم بأمثال هذا الكلام، المبني على جهل قائليه من جهة، وسوء نيَّتِهم في الغالب من جهة أخرى)([2]).

والجواب عنها من وجوه:

أولًا: الاتجاه إلى الكعبة في الصلاة يكون مع قيام عقيدة التوحيد في النفوس:

فالإسلام حينما أمر بالاتجاه للكعبة في الصلاة وأمر بالطواف حولها قد أثبت في قلوب المسلمين مجموعةً من العقائد التي هي من أسس العقيدة الإسلامية، وهي العقائد الآتية:

العقيدة الأولى: أنَّ الكعبة بناء أرضيّ لا يضرّ بذاته ولا ينفع.

العقيدة الثانية: أنَّ الصلاة وسائر أشكال العبادات إنما هي لله وحده لا شريك له.

العقيدة الثالثة: أنَّ الاتجاه إلى الكعبة ليس بحالٍ من الأحوال عبادةً لها، وإنما هو طاعة لأمر الله، وقد أمر الله بالاتجاه إليها توحيدًا للجهة التي يتجه إليها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها حينما يعبدون الله في صلاتهم، وليس اتجاههم إليها عبادةً لها، كما أن سجودهم ووضع جباههم على الأرض ليس عبادةً للأرض.

العقيدة الرابعة: أنَّ من يقصد عبادةَ الكعبة حينما يتَّجه إليها في الصلاة فإنه يشرك بالله الواحد الأحد، ويتَّخذ الكعبة إلهًا من دون الله، كما يتَّخذ عباد الأوثان أوثانهم آلهة من دون الله، ويخالف بذلك أسس العقيدة الإسلامية ويخرج عن دائرتها.

وتأسيسًا لهذه العقائد قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115]، وقال تعالى فيها أيضا: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

وبيانًا لمعنى أنَّ المسجد الحرام ليس إلا قبلةً يتجه المسلمون شطرها حينما يعبدون الله في صلواتهم، قال الله تعالى مخاطبًا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم ثم مخاطبًا سائر المؤمنين: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144]([3]).

قال الشيخ محمد رشيد رضا في جواب هذه الشبهة النصرانية: (ومن عرف معنى العبادة يقطع بأنَّ المسلمين لا يعبدون الحجر الأسود ولا الكعبة، ولكن يعبدون الله تعالى وحده باتباع ما شرعه فيهما، بل كان من تكريم الله تعالى لبيته أن صرف مشركي العرب وغيرهم من الوثنيين والكتابيين الذين كانوا يعظِّمونه قبل الإسلام عن عبادته، وقد وضعوا فيه الأصنام وعبدوها فيه ولم يعبدوه. ذلك أن عبادة الشيء عبارة عن اعتقاد أن له سلطةً غيبيةً يترتب عليها الرجاء بنفعه لمن يعبده أو دفع الضرر عنه، والخوف من ضره لمن لا يعبده أو لمن يقصر في تعظيمه، سواء كانت هذه السلطة ذاتية لذلك الشيء المعبود فيستقلّ بالنفع والضرر، أو كانت غير ذاتية له بأن يُعْتَقَد أنه واسطة بين من لجأ إليه وبين المعبود الذي له السلطة الذاتية، ولا يوجد أحد من المسلمين يعتقد أنّ الحجر الأسود ينفع أو يضرّ بسلطة ذاتية له، ولا أن سلطته تقريب من يعبد ويلجأ إليه إلى الله تعالى، ولا كانت العرب في الجاهلية تعتقد ذلك وتقوله في الحجر كما تقول في أصنامها: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، {هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يونس: 18]، وإنما عقيدة المسلمين في الحجر هي ما صرَّح به عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند تقبيله، قال: (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) رواه الجماعة كلهم أحمد والشيخان وأصحاب السنن)([4]).

وقال الشيخ محمد العثيمين في جواب هذه الشبهة النصرانية أيضًا: (إننا ندور على الكعبة لا تعظيمًا للكعبة لذاتها ولكن تعظيمًا لله عز وجل؛ لأنه رب البيت؛ وقد قال تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}. والذين يطوفون بالبيت ليسوا يسألون البيت يقولون: يا أيتها الكعبة اقضي حوائجنا، اغفري ذنوبنا، ارحمينا، أبدًا، بل هم يدعون الله عز وجل، ويذكرون الله، ويسألون الله المغفرة والرحمة، بخلاف النصارى عابدي الصلبان الذين يعبدون الصليب ويركعون له ويسجدون له ويدعونه… وهات أي واحد من المسلمين حقًّا يقول: إنه يطوف بالكعبة من أجل أن تكشف ضرّه أو تحصل ما يطلب، لن تجد أحدًا كذلك)([5]).

ثانيًا: الكعبة مرتبطة بالتوحيد وبالرسالة ارتباط الدليل بالمدلول؛ ولذلك فهي أولى البيوت بأن يستقبله المسلمون في صلاتهم، ويطوفون به في حجهم وعمرتهم وزيارتهم:

فمن الأمور البدهية أن ضرورة توحيد جماعة المسلمين تستدعي تحديد شكل عبادتهم لله تعالى، وتستدعي توحيد الجهة التي يجب أن يتجَّهوا جميعًا إليها حينما يعبدون الله تعالى، وقد اختار الله من أرضه الواسعة مكانًا غير ذي زرع من أمكنتها، وجعل له تاريخا دينيًّا مجيدًا على أيدي صفوة من أنبيائه ورسله، فكان أول بيت عبادة وضعه الله للناس، مطهَّرًا للطائفين والعاكفين والركع السجود؛ قال الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96، 97]، وقال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26]([6]).

قال الطاهر بن عاشور: (ولا شك أن أول هيكل -بناء- أقيم لتوحيد الله وتنزيهه وإعلان ذلك وإبطال الإشراك بالله هو الكعبة التي بناها إبراهيم عليه السلام، أول من حاجَّ الوثنيين بالأدلة، وأول من قاوم الوثنية بقوّة يده، فجعل الأوثان جذاذًا، ثم أقام لتخليد ذكر الله وتوحيده ذلك الهيكل العظيم؛ ليعلم كل أحد يأتي أن سبب بنائه إبطال عبادة الأوثان، وقد مضت على هذا البيت العصور، فصارت رؤيته مذكرة بالله تعالى، ففيه مزية الأولية، ثم فيه مزية مباشرة إبراهيم عليه السلام بناءه بيده ويد ابنه إسماعيل، دون معونة أحد، فهو لهذا المعنى أعرق في الدلالة على التوحيد وعلى الرسالة معا، وهما قطبا إيمان المؤمنين، وفي هذه الصفة لا يشاركه غيره. ثم سن الحج إليه؛ لتجديد هذه الذكرى ولتعميمها في الأمم الأخرى، فلا جرم أن يكون أولى الموجودات بالاستقبال لمن يريد استحضار جلال الربوبية الحقة، وما بنيت بيوت الله تعالى إلا بعده، فكان هو القبلة الأولى للمؤمنين بالله تعالى)([7]).

ومن هنا يتبين أنَّ التوجُّه نحو الكعبة في الصلاة هو من أعظم ما يتحقَّق به التوحيد، لا عكس ذلك، كما ذهب إليه هؤلاء الملاحدة المُشَكِّكُون والمُنصِّرُون الضالون.

والخلاصة أن استقبال المسلمين للكعبة في الصلاة ليس عبادةً لها؛ إذ المسلمون لا يعبدون إلا الله وحده، وحقيقة العبادة -من المحبة، والخشية، والإنابة، والتوكل، والرجاء، والسجود، والطواف، والذبح، والنذر، وغير ذلك- لا يصرفها المسلمون لحجر، سواء كان ذلك الحجر من حجارة الكعبة، أو الحجر الأسود، أو غير ذلك، بل لا يصرفونها إلا إلى الله وحده.

وإنما جعل الله تعالى الكعبة الوجهة التي يتجه المسلمون إليها في صلاتهم تقريرا لعقيدة التوحيد، فالكعبة بيت له صلة تاريخية وثيقة بالتوحيد؛ فمن بناه هو إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام، مبطلا ببنائه عبادة الأوثان، فصارت الكعبة رمزًا تاريخيًّا للتوحيد، فكانت أولى البيوت أن يستقبله المسلمون في عبادتهم لله تعالى.

ثالثًا: المسلمون لا يعبُدون الحجر الأسود، وبيان الحكمة من تقبيله:

أما الحجر الأسود فمعاذ الله أن يعبده أحد من المسلمين، وإن لمسوه وقبلوه، مهما كذب عليهم أعداء الإسلام. وما الحجر الأسود في نظر المسلمين إلا كأحد الحجارة التي خلقها الله، ولكن كما جعل الله الكعبة قبلة يتَّجه إليها المسلمون في صلواتهم، ويطوفون حولها عبادة وقربة لله تعالى؛ جعل الحجر الأسود مشيرًا إلى ركن من أركان الكعبة، الذي تبتدئ أشواط الطواف عند محاذاته، وما لمسه وتقبيله إلا رمز لمبايعة الله على الإخلاص له في العبادة، وهو المنزه سبحانه عن التشبيه بأي مخلوق مادي، كما أن لمسه وتقبيله لون من ألوان عبادة الله المسنونة كالسجود لله على الأرض، ومعلوم أن أي ساجد على الأرض لا يعبد مكان سجوده([8]).

وبيانًا لهذه الحقيقة قال عمر بن الخطاب مخاطبًا الحجر الأسود بعد أن قبله: «إني أعلم أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبلتك» متفق عليه.

قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى: (وما الذي أنكروه من تفضيل الله تعالى حجرًا حتى لُثِمَ واستُلِم؟! والله تعالى يستعبِدُ عبادَه بما شاء من العمل والقول، ويُفضِّلُ بعض ما خلَق على بعض، فليلةُ القدر خير من ألف شهر، ليست فيها ليلة القدر، والسماء أفضل من الأرض، والكرسي أفضل من السماء، والعرش أفضل من الكرسي، والمسجد الحرام أفضل من المسجد الأقصى، والشام أفضل من العراق، وهذا كله مبتدأ بالتفضيل، لا بعمل عمله، ولا بطاعة كانت منه، كذلك الحجر أفضل من الركن اليماني)([9]).

وجاء في الأثر عن ابن عبّاس: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبل يمينه).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في شرحه لهذا الأثر: (يُبيِّن أن الله تعالى كما جعل للناس بيتًا يطُوفون به جعل لهم ما يستلِمُونه؛ ليكونَ ذلك بمنزلة تقبيلِ يد العظماء، فإنَّ ذلك تقريبٌ للمُقَبِّل، وتكريمٌ له كما جرت العادة)([10]).

وقال الإمام القفال الشاشي في بيان حِكمة تقبيل الحجر الأسود: (والوجه في تقبيل الحجر الأسود ما ذكرنا من مضاهاة تقبيل باب سيّده أو قرب داره، وذلك إخبار منه عن نفسه أنه لم يبلغ من الانبساط إليه مبلغًا يتجاسر على تقبيل يده، إذ لا يجوز ذلك في آداب الخدمة إلا بإذن منه، وإدناء مراتبه إليه، فأقيم تقبيلُه بابَه ما فاته من تقبيلِه يدَه، وقد روي في الخبر: “الركن يمين الله في الأرض يصافح بها من يشاء من عباده”. ولا يُقبَّل شيئًا من الأركان غير الأسود، لبعدها من موضع الباب، فيكتفي فيها بالاستلام بيده، ثم يقبل يده…)([11]).

وقال الشيخ محمد رشيد رضا في بيان حكمة تقبيله: (بقي أن يقال: إذا كان الحجر لا ينفع ولا يضرُّ كما قال عمر في الموسم تعليمًا للناس وأقرَّه بعض الصحابة عليه، وكان استلامه وتقبيله لمحض الطاعة والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يُتَّبع في سائر العبادات، فما هي حكمة جعل ما ذكر من العبادة؟ وهل يصح ما قيل من أن النبي صلى الله عليه وسلم تركه في الكعبة مع أنه من آثار الشرك تأليفًا للمشركين واستمالة لهم إلى التوحيد؟

والجواب: أنَّ الحجر ليس من آثار الشرك ولا مِن وضع المشركين، وإنما هو من وضع إمام الموحِّدين إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم، جعله في بيت الله ليكون مبدأ للطواف بالكعبة، يعرف بمجرد النظر إليها، فيكون الطواف بنظام لا يضطرب فيه الطائفون، وبهذا صار من شعائر الله، يُكرَم، ويُقبَّل، ويُحتَرم لذلك، كما تحترم الكعبة لجعلها بيتًا لله تعالى، وإن كانت مبنية بالحجارة، فالعبرة بروح العبادة: النية والقصد، وبصورتها الامتثال لأمر الشارع، واتباع ما ورد بلا زيادة ولا نقصان؛ ولهذا لا تُقَبَّلُ جميع أركان الكعبة عند جمهور السلف، وإن قال به وبتقبيل المصحف وغيره من الشعائر الشريفة بعض من يرى القياس في الأمور التعبدية.

وتعظيم الشعائر والآثار الدينية والدنيوية بغير قصد العبادة معروف في جميع الأمم، لا يستنكره الموحدون ولا المشركون ولا المعطِّلون، وأشدُّ الناس عناية به الإفرنج، فقد بنوا لآثار عظماء الملوك والفاتحين والعلماء العاملين الهياكل العظيمة، ونصبوا لهم التماثيل الجميلة، وهم لا يعبدون شيئًا منها، فلماذا نهتمّ بكل ما يلفظ به كلّ قِسّيس أو سياسيّ يريد تنفير المسلمين من دينهم إذا موَّه علينا في شأن تعظيم الحجر الأسود فزعم أنه من آثار الوثنية، ونحن نعلم أنه أقدم أثر تاريخيّ دينيّ لأقدم إمام موحِّد داعٍ إلى الله من النبيين المرسلين، الذي عُرِفَ شيء صحيح من تاريخهم وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الذي جمع على تعظيمه مع المسلمين اليهود والنصارى)([12]).

ثم ذكر أثر ابن عباس المتقدّم وما يدل عليه من الحكمة في تقبيل الحجر الأسود بنحو ما نقلناه عن شيخ الإسلام، ثم قال: (ولعمري لو أن ملوك الإفرنج وعلماءهم أمكنهم أن يشتروا هذا الحجر العظيم لتغالوا في ثمنه تغاليًا لا يتغالون مثله في شيء آخر في الأرض، ولوضعوه في أشرف مكان من هياكل التحف والآثار القديمة، ولحج وفودهم إلى رؤيته، وتمنى الملايين منهم لو تيسَّر لهم لمسه واستلامه، وناهيك بمن يعلم منهم تاريخَه وكونه من وضع إبراهيم أبي الأنبياء عليهم السلام، وإنهم ليتغالَون فيما لا شأن له من آثار الملوك أو الصناع.

هذا، وإنَّ من مقاصد الحج النافعة: تذكرَ نشأة الإسلام دين التوحيد والفطرة في أقدم معابده، وإحياء شعائر إبراهيم التي طمستها وشوَّهتها الجاهلية بوثنيتها، فطهَّرها الله ببعثة ولده محمد الذي استجاب الله به دعوته: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 129] عليهما الصلاة والسلام.

وجملة القول أنَّ مناسك الحج من شريعة إبراهيم، وقد أبطل الإسلام كلَّ ما ابتدعته الجاهلية فيها من وثنيتها وقبيح عملها كطوافهم بالبيت عراة، وإن الكعبة من بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما هو ثابت عند العرب بالإجماع المتواتر بينهم، وكانوا يعظِّمونها هم والأمم المجاورة لهم، بل والبعيدة عنهم كالهنود، ومن الثابت أيضًا أنهم لما جدَّدوا بناءها أبقوا الركنين اليمانيين على قواعد إبراهيم، وإنما اقتصروا من جهة الركنين الشاميين، ولذلك ورد استلام الركنين اليمانيين دون غيرهما، ويقال لأحدهما: الركن الأسود؛ لأن فيه الحجر الأسود، وللآخر اليماني، فإذا ثنوهما قالوا: اليمانيين تغليبًا كما يقولون في تثنية الركن الشامي والركن العراقي: الشاميين.

ولما كانت الكعبة قد جُدِّد بناؤها قبل الإسلام وبعده لم يبق فيها حجر يعلم باليقين أنه من وضع إبراهيم إلا الحجر الأسود، لامتيازه بلونه، وبكونه مبدأ المطاف كان هو الأثر الخاص المذكر بنشأة الإسلام الأولى في ضمن الكعبة المذكِّرة بذلك بوضعها وموضعها وسائر خصائصها، زادها الله حفظًا وشرفًا.

وقد علم بهذا أن الحجر له مزية تاريخيّة دينيّة، وإن كان الأصل في وضعه بلون مخالف للون البناء اهتداء الناس بسهولة إلى جعله مبدأً للطواف، ولنا مع علمنا بهذا أن نقول: إن لله تعالى أن يخصِّص ما شاء من الأجسام والأمكنة والأزمنة لروابط العبادة والشعائر، فلا فرق بين تخصيص الحجر الأسود بما خصَّصه وبين تخصيص البيت الحرام والمشعر الحرام وشهر رمضان والأشهر الحرم، ومبنى العبادات على الاتِّبَاع لا على الرأي)([13]).

وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: (وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبّله واستلمه، وعمل بذلك الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى يومنا هذا، كان الواجب على المسلم أن يؤمن بما شرعه الله ورسوله، ويعمل به، سواء عرف الحكمة في ذلك أو لم يعرفها.

ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحرص الناس ‌على ‌هداية ‌الخلق، وتحذيرهم وإبعادهم عمَّا يوقعهم في الشرك ومظاهرة الوثنيين حتى في الألفاظ، وكذلك الصحابة بعده رضي الله عنهم، فلو كان في استلام الحجر وتقبيله ما يوقع أو يقارب مظاهرة الوثنيين لنهى عن ذلك، ولبَيَّن للناس ما يتقون، فكان هذا من نتائج أوضاع الزنادقة الذين يصدُّون عن سبيل الله من آمن به ويبغونها عِوَجًا، ويسعون في الأرض فسادًا، والله لا يحبّ المفسدين.

ولولا أنّ هؤلاء الذين أوردوا هذا السؤال من أجهل الناس، وأفسدهم عقولًا، وأضلهم عن سواء السبيل، وأبعدِهم عن سلوكِ سبيل المؤمنين، والدخول معهم في امتثال ما أمر الله به ورسوله، والإيمان بما أخبر الله به وشرعه، لما داخلهم في ذلك شكٌّ وارتياب)([14]).

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: «أجنحة المكر الثلاثة» لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (ص: 85).

([2]) «مجلة المنار» (18/ 677).

([3]) مستفاد من كتاب «أجنحة المكر الثلاثة» لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (ص: 85-86).

([4]) «مجلة المنار» (18/ 677-678).

([5]) «فتاوى نور على الدرب» الشريط رقم (341).

([6]) مستفاد من «أجنحة المكر الثلاثة» لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (ص: 85-86).

([7]) «التحرير والتنوير» (2/ 32).

([8]) مستفاد من «أجنحة المكر الثلاثة» لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (ص: 86-87).

([9]) «تأويل مختلف الحديث» (ص: 414).

([10]) «مجموع الفتاوى» (6/ 398).

([11]) «محاسن الشريعة» (القسم الأول، رسالة علمية) (ص: 365-366).

([12]) «مجلة المنار» (18/ 679).

([13]) «مجلة المنار» (18/ 680-681).

([14]) «إقامة الحجة والدليل وإيضاح المحجة والسبيل» (ص: 20).

عن habib

شاهد أيضاً

أحمد سحنوني ضحية تعذيب رهيب في السجون الفرنسية

أحمد سحنوني ضحية تعذيب رهيب في السجون الفرنسية   شبكة وإسلاماه الإخبارية   في أول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *