الرئيسية / عاجل / نون النسـوة التي يحاولون وأدهـا

نون النسـوة التي يحاولون وأدهـا

نون النسـوة التي يحاولون وأدهـا

بقلم: محمد شلاّل الحناحنة

 

اللغة هي الوجه الحضاري للأمم، تحمل عقيدتها وتاريخها وثقافتها وتراثها، وتعبّر عن مواجعها وآلامها، فالأمة الحية القوية هي التي تملك لغة عظيمة قادرة، لذا سيظل تراث الشعوب من عقيدة وتاريخ ولغة، يمثل تحدياً للمستعمرين الطامعين على مر العصور! وإن كانت لغات الأمم كذلك، فإن لغتنا العربية الفصحى، هي الهاجس المرعب الدائم لكل أجنبي دخيل، لأنها فوق ذلك كله وسعت أعظم كتاب خالد يؤرق الهجمة الاستعمارية الحاقدة، وهو كتاب الله بكل ألفاظه ومعانيه وأسراره وأحكامه.
ومن هنا جاءت المحاولات المستمرة في هدم وحدة اللغة العربية، لهدم وحدة الدين عند المسلمين.
أما هذه المحاولات، فقد ظهرت مبكرة منذ عام 1299هـ حيث دعت مجلة (المقتطف) إلى كتابة العلوم باللهجات العامية التي يتكلمها الناس، بدعوى باطلة وهي عدم قدرة اللغة العربية الفصحى على استيعاب التقنيات العصرية الحديثة، وقد باءت تلك الدعوى بالفشل، وفي سنة 1320هـ ألَّف (ولمور) القاضي الإنجليزي في مصر آنذاك كتاب (لغة القاهرة) اقترح فيه اتخاذ هذه اللهجة العامية لغة للأدب العربي والعلوم الجديدة، وقد أشادت بالكتاب مجلة (المقتطف)، مما نبه أدباء الإسلام إليه، فتصدوا له بقوة، لكن تلك المحاولات لم تهدأ، فقد دعا الإنجليزي (وليم ولكوكس) عام 1345هـ إلى هجر اللغة العربية الفصحى، والكتابة باللهجة العامية، وقد وجد بعض دعاة القومية والشعوبية ضالتهم في ذلك، فأيد الفكرة العلماني الحاقد سلامة موسى بحجة تجديد لغتنا (الميتة) وتطويرها على حد زعمه، ثم تلا تلك الدعوات الهدامة الماكرة اقتراح عبد العزيز فهمي سنة 1362هـ بكتابة العربية بالحروف اللاتينية، وقد تصدى له كوكبة من الأقلام المخلصة لهذه الأمة.
ثم ظهر من كُتاب العلمانية من يدعو إلى ما سمي “اللغة الثالثة” وهي التوسط بين العامية والفصحى، كما برزت فئة داعية إلى فتح باب الحرية والتطور في لغتنا العربية، وهو ما عرف (بحق الكاتب في تجاوز الأنماط النحوية واللغوية) كما دعت هذه الفئة إلى تعديل بعض القواعد الصرفية والنحوية أو إسقاطها!!
ولاشك أن هذه المحاولات تهدف إلى هدم تماسك الأمة الإسلامية من خلال هدم دينها ولغتها، لذا ليس غريباً في أيامنا الحاضرة أن يبلغ الحقد العلماني على لغة الضاد إلى الدعوة لحذف بعض ضمائرها وذلك للتحرر من التفرقة العنصرية بين المرأة والرجل في المجتمع والثقافة كما جاء على لسان الناقد والأكاديمي العراقي الدكتور جلال الخياط حيث يقول: “بدا قسم من لغات العالم يتحرر من التفرقة العنصرية مطلع النصف الثاني من القرن العشرين بتأثير دراسات علم اللغة الاجتماعي وعلم اللغة النفسي، فهل لنا أن نحاول أن نهتم بهذا المنحى؟! وهل يحق لنا طبقاً لذلك أن نجري تغييراً في لغتنا؟!
كأن نلغي مثلاً نون النسوة التي توحي بالعنصرية اللغوية وتعيق التكافؤ النحوي في المجتمع والثقافة(أوردت بعض الأسطر من مقال (الخياط) صحيفة الرأي الأردنية في 16-4-1999م ضمن “الحقيبة الثقافية”). ترى ما الذي يريده الدكتور الناقد؟!
هل يريد إقناعنا أن مجتمعاتنا الإسلامية تمارس عنصرية بغيضة بين المرأة والرجل حتى في لغتنا وتراثها الثقافي؟ وكيف تعيق نون النسوة التكافؤ النحوي في المجتمع والثقافة كما يزعم؟ ومن يملك إلغاءها دون إلغاء النظام اللغوي والنحوي الثابت الذي ورثناه جيلاً بعد جيل؟! لكن القضية ليست أنماطاً لغوية أو نحوية، إنها أعمق من ذلك بكثير، إنها قضية (الظلم) المزعوم الواقع على المرأة المسلمة (المسكينة) في القرن القادم كما يحلو للخيال المريض أن يصوره، بل نراه يحدد هدفه من إلغاء نون النسوة فيعلن صراحة: “إن إلغاءها ليس رأياً ولكنه بحث في مستقبل النسوة في القرن الحادي والعشرين ونونهن ومكانتهن ودورهن البارز في بناء الحياة الاجتماعية”.
فلو قبلنا بهذه الدعوة، لكان لزاماً علينا أن نقبل بتغيير دور المرأة، وتغيير حقوقها، وواجباتها ووظيفتها في الحياة، وهذه ما يؤكده (ناقدنا) في أكثر من موضع، بل يدعو المرأة للثورة ضد الذل الذي تعيشه كما يزعم في ظل قسوة الرجل وظلمه لها، وهذه الأباطيل تهدف لتحريف القرآن الكريم لغة ومعنى، وذلك بحذف نون النسوة التي ترمز للقمع والعنصرية على حد زعمه، وكذلك حذفها من أحاديث الرسول ص، ليتسنى بعد ذلك حذف الأحكام وإلغاؤها، ولا ندري ما الذي يقترحه علينا (ناقدنا) الخياط في قراءة تراثنا الأدبي والفكري منذ قرون؟! ماذا يريد منا كي لا نظلم نساءنا بتعالي “واو الجماعة” عليهن أو إذلالهن بقبول الكسرة علامة لنصبهن!! هل ترى يقبل أن نخاطبه بتاء المخاطبة أو يائها لنساويه بالمرأة التي هضم الرجال حقوقها (بواوهم) ونرجسيتهم، وهو منهم؟! يقول الخياط في مقاله: “وأدركت إلى أي عمق تتصف واو الجماعة بالظلم والتعالي على النسوة اللائي ارتضين الكسرة علامة لنصبهن وربما ذلهن ولم يثرن ولم يعترضن” ترى لماذا لايعني استخدام (HE) للمذكر، و(SHE) للمؤنث، في الإنجليزية تمييزاً مثلاً بينما يعني استخدام الضمائر في العربية عنصرية وإذلالاً للمرأة العربية؟! ويمضي (ال دكتور) في حديثه عن التحرر في لغات العالم ليصل بنا إلى وجوب التحرر النفسي والاجتماعي لدى المرأة في بلادنا والذي يبدأ بحذف نون النسوة.
أخيراً ومع إدراك الفرق الواضح بين استخدام واو الجماعة ونون النسوة في البناء اللغوي والنحوي لكل ذي بصيرة دون الحاجة إلى تمثيل، ومع ما يتبع ذلك من اختلاف جلي في الواجبات والحقوق لدى المرأة والرجل إلا أن (الناقد الخياط) لم يبلغ ذكاء أساتذته في إخفاء أهدافه عبر طرحه المتناقض أكثر من مرة: “هل هذه النون علامة للتفرقة العنصرية؟! أو هي شارة زهو أنثوية، لا، لا ليست نون النسوة شارة زهو أو غرور أنثوية أو شارة ذل، إنما هي وسام الفطرة للنساء المسلمات اللاتي صانهن الله وحفظ حقوقهن وأكرمهن وخاطبهن من فوق سبع سماوات، بنون النسوة التي تحاول وأدها فقال تعالى: وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى” وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله (الأحزاب: 33)، أما الكسرة التي تدَّعي أنها من علامات ذلهن فهي رمز الشموخ والسمو في الدرجات العلا مع الرجال الذين رضوا (الياء الأبلغ كسرا) علامة لنصبهم (قياساً على منطقك الأعوج المضحك) وإن شئت الحق فتدبر قول المولى عز وجل:
{إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} 35 (الأحزاب).

عن habib

شاهد أيضاً

شلة التوراتيين التاريخيين الجدد..!!

شلة التوراتيين التاريخيين الجدد..!! بقلم_ غازي أحمد الفقيه  مقالة رائعة للأستاذ غازي أحمد الفقيه. يلقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *