الرئيسية / روضة الأدب / حين يتحوّل الرثاء إلى موقف حضاري: قراءة في كتاب «ثنائية الشهادة والعقيدة»

حين يتحوّل الرثاء إلى موقف حضاري: قراءة في كتاب «ثنائية الشهادة والعقيدة»

الشعر حين يكتب التاريخ: قراءة في كتاب «ثنائية الشهادة والعقيدة في قصيدة إعدام الشهيد سيد قطب لعلال الفاسي»

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الفكرية والثقافية، وتتشابك فيه أسئلة الهوية والحرية والالتزام، يعود الأدب العربي الحديث ليؤكد قدرته على البقاء شاهدًا على الوجدان الجمعي للأمة، وحاملًا لأسئلتها الكبرى، ومعبّرًا عن قضاياها المصيرية. ومن بين الإصدارات النقدية التي تستحق التوقف والقراءة، يبرز كتاب «ثنائية الشهادة والعقيدة في قصيدة إعدام الشهيد سيد قطب لعلال الفاسي: دراسة فكرية وفنية» للباحث زكرياء بوغرارة، باعتباره عملًا فكريًا وأدبيًا يزاوج بين التحليل الفني العميق والرؤية الفكرية الواعية، في مقاربة نص شعري ينتمي إلى لحظة عربية شديدة الحساسية والتأثير.

لا يقدم هذا الكتاب قراءة تقليدية لقصيدة رثائية، ولا يكتفي باستعراض جماليات النص وصوره البلاغية، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حين يجعل من القصيدة مدخلًا لفهم طبيعة العلاقة بين الشعر والفكر، وبين الإبداع والالتزام، وبين الكلمة الحرة والموقف الحضاري. فالقصيدة التي نظمها الزعيم والمفكر المغربي علال الفاسي عقب إعدام المفكر الإسلامي سيد قطب سنة 1966، تتحول في هذه الدراسة إلى وثيقة فكرية وشعرية تكشف عن عمق التفاعل بين رموز الإصلاح العربي الإسلامي، كما تفتح أفقًا جديدًا لفهم الشعر الملتزم بوصفه خطابًا ثقافيًا يتجاوز التعبير العاطفي المباشر.

منذ الصفحات الأولى، يعلن المؤلف انحيازه إلى رؤية نقدية حديثة ترى في الأدب فضاءً للفكر، لا مجرد بناء لغوي أو زخرف جمالي. ولذلك فإن الكتاب يتحرك في أكثر من مستوى؛ فهو يقرأ القصيدة بوصفها نصًا شعريًا متكاملًا من حيث البناء الفني والإيقاع والرمز والصورة، وفي الوقت نفسه يتعامل معها باعتبارها خطابًا حضاريًا يحمل موقفًا من قضايا الحرية والعقيدة والصراع بين الفكر والسلطة.

وتنبع أهمية هذا العمل من طبيعة النص المدروس ذاته، فقصيدة علال الفاسي لم تُكتب في سياق عابر، بل جاءت عقب حدث هزّ الوجدان العربي والإسلامي، هو إعدام سيد قطب، المفكر والأديب الذي تحولت كتاباته إلى مرجع فكري لدى قطاعات واسعة من المثقفين والحركات الإصلاحية. ومن هنا، فإن القصيدة لم تكن مجرد بكاء على رجل رحل، وإنما كانت شهادة فكرية وأخلاقية على مرحلة كاملة من تاريخ الأمة، وهو ما استطاع المؤلف أن يبرزه بوعي نقدي واضح.

ويكشف الكتاب بعمق كيف تحولت صورة سيد قطب داخل القصيدة إلى رمز للشهادة بوصفها موقفًا أخلاقيًا وحضاريًا، لا مجرد نهاية مأساوية. فالشهادة هنا تتجاوز معناها التقليدي، لتصبح تعبيرًا عن الانسجام الكامل بين العقيدة والسلوك، وبين الفكر والتضحية. وهذه الثنائية التي اختارها الباحث عنوانًا لكتابه ــ ثنائية الشهادة والعقيدة ــ تشكل بالفعل المحور الدلالي الذي تنتظم حوله الدراسة كلها، إذ يوضح المؤلف كيف جعل علال الفاسي من الشهيد صورة للإنسان المؤمن الذي يدفع حياته ثمنًا لمواقفه وقناعاته.

ومن الجوانب اللافتة في هذا الإصدار أن المؤلف لا يفصل بين النص وسياقه التاريخي والثقافي، بل يصرّ على أن فهم القصيدة لا يكتمل إلا بإدراك الظروف الفكرية والسياسية التي أُنتجت فيها. لذلك تأتي الدراسة محمّلة بإشارات تاريخية وثقافية تسهم في توضيح الخلفيات الفكرية للنص، وتكشف عن طبيعة المرحلة التي شهدت تصاعد الصراع بين السلطة والمفكرين الإصلاحيين في العالم العربي.

كما يمنح الكتاب أهمية خاصة للعلاقة الفكرية والوجدانية التي تجمع بين علال الفاسي وسيد قطب، فكلاهما لم يكن مجرد رجل سياسة أو مفكر تقليدي، بل كان أيضًا أديبًا وشاعرًا عاش تجربة الكتابة بوصفها مسؤولية حضارية ورسالة إصلاحية. ومن هنا يكتسب العمل بعدًا ثقافيًا غنيًا، لأنه لا يقرأ قصيدة في عزلة، بل يضعها داخل شبكة من التفاعلات الفكرية والأدبية التي صنعت جزءًا مهمًا من الوعي العربي الحديث.

ولعل من أبرز نقاط قوة الكتاب تلك المنهجية المتوازنة التي اعتمدها المؤلف، حيث جمع بين التحليل الفني والتأويل الفكري والمقاربة السياقية، دون أن يطغى جانب على آخر. فهو يقرأ الصور الشعرية واللغة والإيقاع بعين الناقد الأدبي، لكنه في الوقت نفسه يستنطق الدلالات الفكرية العميقة للنص بعين الباحث في الفكر والثقافة. وقد أتاح هذا التداخل المنهجي للكتاب أن يخرج من دائرة الدراسات الأكاديمية الجافة إلى فضاء القراءة الفكرية الممتعة التي تجمع بين المتعة الفنية وعمق الفكرة.

كما يتوقف المؤلف عند الرموز والإشارات التي وظفها علال الفاسي داخل القصيدة، موضحًا كيف استطاع الشاعر أن يحول التجربة الفردية إلى قضية جماعية، وأن يجعل من رثاء شخص بعينه مرثية لوضع حضاري كامل. فالقصيدة ليست حديثًا عن موت فرد، بقدر ما هي حديث عن أزمة أمة وصراع قيم، وعن الثمن الذي قد يدفعه أصحاب الكلمة الحرة حين يصطدمون بواقع الاستبداد والقمع.

وفي هذا السياق، يبرز الكتاب قدرة الشعر العربي الحديث على احتضان القضايا الفكرية الكبرى دون أن يفقد جماله الفني. فالدراسة تؤكد أن الالتزام في الأدب لا يعني المباشرة أو الخطابة، بل يمكن للنص الشعري أن يحمل رؤية فكرية عميقة مع احتفاظه بقيمته الجمالية. وهذه من الأفكار الأساسية التي يشتغل عليها المؤلف، حين يدافع ضمنيًا عن الأدب الملتزم بوصفه أدبًا قادرًا على الجمع بين الرسالة والإبداع.

ويأتي هذا الإصدار أيضًا في لحظة ثقافية يحتاج فيها النقد العربي إلى مثل هذه الدراسات التي تعيد الاعتبار للنصوص ذات البعد الحضاري والفكري، وتعيد فتح النقاش حول علاقة المثقف بقضايا أمته، ودور الأدب في صناعة الوعي الجمعي. فالكتاب لا يقرأ الماضي فقط، بل يجعل من القصيدة نافذة للتأمل في أسئلة لا تزال حاضرة إلى اليوم: ما حدود العلاقة بين الفكر والسلطة؟ وهل يستطيع الأدب أن يكون فعل مقاومة؟ وكيف يتحول الشعر إلى شهادة على العصر؟

إن القارئ لهذا العمل سيجد نفسه أمام رحلة فكرية وأدبية ممتعة، تتقاطع فيها السيرة بالفكرة، والشعر بالتاريخ، والنقد بالتأمل الحضاري. كما سيكتشف أن الباحث لم يكتب دراسة تقنية جامدة، بل أنجز عملًا يحمل شغف القارئ بالأدب وإيمان المفكر بقيمة الكلمة ودورها في حفظ الذاكرة الفكرية للأمة.

ولا شك أن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب تكمن في قدرته على إعادة الحياة إلى نص شعري كُتب قبل عقود، وجعله نصًا مفتوحًا على أسئلة الحاضر. فكل قراءة جادة للأدب هي في النهاية قراءة للإنسان وهمومه وتحولاته، وهذا ما نجح فيه المؤلف حين جعل من قصيدة علال الفاسي فضاءً للتأمل في معنى الشهادة، وقيمة العقيدة، وحدود التضحية، وعلاقة المثقف بقضايا الحرية والكرامة.

إن كتاب «ثنائية الشهادة والعقيدة في قصيدة إعدام الشهيد سيد قطب لعلال الفاسي» ليس مجرد دراسة نقدية عابرة، بل هو مشروع قراءة يعيد وصل الأدب بالفكر، ويؤكد أن الشعر العربي لا يزال قادرًا على أن يكون وثيقة وعي وموقف، وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تعبر الزمن لتظل شاهدة على الإنسان وقضاياه الكبرى.

وبهذا الجهد العلمي والفكري الرصين، ينجح الباحث زكرياء بوغرارة في تقديم عمل يستحق الاهتمام والاحتفاء، لما يحمله من عمق منهجي ورؤية ثقافية متماسكة، ولما يفتحه من آفاق جديدة أمام دراسة الأدب العربي الحديث بوصفه مرآة لتحولات الفكر والوجدان في التاريخ العربي المعاصر.

عن habib

شاهد أيضاً

في انتقال الصهاينة إلى السرعة الأعلى لاحتلال المغرب

*حائط مبكى جديد بمراكش !* أحمد ويحمانالواقعة التي يتم تداولها خلال الساعات الأخيرة حول أداء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *