الرئيسية / عاجل / هل وصفَ النبي ﷺ الحورَ العين وصفًا «مقززًا»؟!

هل وصفَ النبي ﷺ الحورَ العين وصفًا «مقززًا»؟!

الدكتور محمود القاعود

بعض الشبهات يقوم على سوء الأدب والجهل وسوء القراءة وانحطاط النفس.. فلو أن إنسانًا قرأ قول العرب: «فلانٌ يضيء وجهُه» ففهم أن وجهه مصباح كهربائي.. لضحك الناس من جهله وحماقته.. ولو قرأ قولهم: «فلانة كالبدر» ثم سأل: كيف تكون امرأة كوكبًا يدور في الفضاء؟ لكان الخلل في عقله.

وشبهة «يُرى مخُّ ساقها» تنتمي إلى هذا النوع من السفاهة؛ إذ تحوِّل وصفًا عربيًّا بلاغيًّا للجمال إلى تقرير تشريحي في علم الأحياء.. ورسم كاريكاتير للسخرية مما فهمه الجهول الذي طرح الشبهة!

نصّ الشبهة: «ذلك الجمال الذي وصف به محمد الحورَ العين والذي يروجون له كأنه شبح يلمع بين الرمال المحترقة. ساقٌ تكاد ترى عظامها! يا لروعة هذا الوصف المريض! أهذا هو الجمال؟ أن تتجرد من اللحم حتى يظهر المخ من وراء الجلد الرفيع؟ أيُّ جمالٍ مقزز هذا الذي يتغنون به، جمالٌ يرى فيه المرء الأعضاء الداخلية، حركة الدم، وتدفق الغائط في الأمعاء!» ا.هـ

يقول أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول ﷺ: «كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ مِنَ الْحُسْنِ» رواه البخاري في صحيحه (3246).

ولننظر في الحديث.. نص الحديث الشريف لا يقول إن العظام بارزة بسبب الهزال، ولا إن الأعضاء الداخلية مكشوفة.. ولا إن الدماء والأمعاء تُرى بالعين.. كل هذه الترهات أضافها المجرم صاحب الشبهة من عنده.

أما الحديث نفسه فيقول إن من تمام الحسن والصفاء والرقة أن يُرى مخُّ الساق من وراء اللحم والعظم. الحديث الشريف لم يقل «من وراء الجلد»، ولم يقل «من وراء الأمعاء»، ولم يقل «تُرى الأعضاء الداخلية».. بل عبَّر بأسلوب عربي يراد به المبالغة في وصف الصفاء والحسن والنضارة.. ولهذا ختم الجملة بقوله: «مِنَ الْحُسْنِ».. فالعلة المذكورة في الحديث هي الحسن والجمال، وليس المرض ولا الهزال.. ولو كان المراد حالةً مرضيةً أو تشوّهًا جسديًّا لكان ذلك مناقضًا لنص الحديث نفسه.

ولم يفهم أحدٌ من علماء الإسلام عبر القرون أن الحديث الشريف يتحدث عن امرأة هزيلة أو عظام ظاهرة بسبب النحول.. بل جاءت تفسيراتهم كلها في اتجاه واحد.. صفاء اللون، ورقة البشرة، وكمال النضارة.. قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: «كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ» (سورة الصافات: 49): «شُبِّهن ببطن البيض قبل أن يُقشر».. وذكر الطبري ذلك عن سعيد بن جبير والسدي وغيرهما.. والمقصود هو الغشاء الداخلي الرقيق الصافي الذي لم تمسه الأيدي ولم يتغير لونه.

وقال عطاء بن أبي رباح: «السحاء الذي يكون بين القشرة العليا ولباب البيض». وقال الإمام القرطبي: «وذلك أبلغ ما يوصف به البياض والنضارة والرقة».

فإذا كان جميع المفسرين يتحدثون عن النضارة والصفاء والحسن، فمن أين جاءت قصة «الأعضاء الداخلية» التي يرددها المجرم صاحب الشبهة؟!

ولو افترضنا جدلًا أن الحديث الشريف يقصد ما يقوله صاحب الشبهة، فهل كان العرب الذين نزل القرآن الكريم بلغتهم سيعدّون ذلك مدحًا أم ذمًّا؟ الجواب واضح.. فالحديث ورد في مقام الترغيب والثناء ووصف النعيم الأبدي، وأي كلام لا يُفهم إلا على ضوء سياقه.

وإذا كان الوصف يقصد الهزال والتشوه كما يدَّعي المجرم، لكان ذلك يناقض صراحة الحديث نفسه الذي ربط الرؤية بالحسن صراحةً وقال: «مِنَ الْحُسْنِ».. وهذا يشبه أن يمدح الشاعر امرأة بقوله «قامت كالغصن» فيفهم المجرم أنها خشبة يابسة!

وغير ذلك لم يعترض أيُّ عربيٍّ معاصر لسيد الكائنات ﷺ على هذا الوصف.. مع أن العرب كانوا أهل فصاحة وبلاغة وكانوا ينتقدون أيَّ تعبير غامض أو قبيح.. وهذا الإجماع بالسكوت دليل قاطع على أن المعنى كان واضحًا لديهم كمدح للجمال الرقيق.

فالعرب يصفون الجمال بالرقة والصفاء في كلامهم، فيقولون: «كأنها تمشي على الماء» أو «بشرتها تسرق نور القمر».. ولو طبقنا منطق المجرم لقلنا إنها تغرق أو تحترق!

إنَّ الجنة دار الكمال المطلق، فكيف يصف سيدنا ﷺ جزءًا من نعيمها بما يثير الاشمئزاز؟! هذا يخالف القاعدة العقلية الأساسية: «المدح لا يُؤتى بألفاظ الذم».. ولو قبلنا الشبهة للزم أن يكون سبدنا ﷺ – بحسب إفكهم – يصف النعيم بما ينفر منه، وهذا باطل بالضرورة ومحال عقلا.

لقد جاء وصف الحور العين في القرآن كله ضمن صور الجمال والكمال.. قال الله تعالى «كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ» (سورة الواقعة: 23) وقال عزَّ وجل: «كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ» (سورة الرحمن: 58) وقال سبحانه وتعالى: «فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ» (سورة الرحمن: 56) وقال جل جلاله: «وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ» (سورة الدخان: 54)

فهل يعقل أن يصف القرآن الكريم الحور العين باللؤلؤ والياقوت والمرجان، ثم يأتي الحديث ليصفهن بصورة منفرة مقززة كما يزعم السفهاء؟!

لقد ارتكب صاحب الشبهة ثلاث حماقات..

الأولى: الحديث لم يذكر الدم ولا الأمعاء ولا الغائط، وإنما أضافها المجرم ثم هاجمها.

الثانية: إسقاط المفاهيم الحديثة على النصوص القديمة.

الثالثة: تجاهل تفسير أهل اللغة والقرآن الكريم والإجماع التاريخي.

ثم إن الإسلام تقرر أصلًا عظيمًا وهو أن نعيم الجنة لا يُقاس على أحوال الدنيا.. روى سيدنا رسول ﷺ عن رب العزة في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (متفق عليه). وقال ﷺ عن أهل الجنة: «لا يبولون ولا يتغوطون» (رواه البخاري ومسلم).

فكيف يتحدث المجرم عن «تدفق الغائط في الأمعاء» وهو يعترض على نصوص تصرح أصلًا بعدم وجود ذلك في الجنة؟ إنه اعتراض على صورة اخترعها هو!

من الكوميديا السوداء أن ملاحدة هذا العصر وصل الخلل العقلي بهم إلى تحويل المجاز البلاغي إلى رسمٍ تشريحي، ثم الاعتراض على الرسم الذي صنعوه بأيدهم!

(الصورة المرفقة من صفحته أخزاه الله)

عن habib

شاهد أيضاً

الإرهاب المسكوت عنه! الدكتور محمود القاعود

ثمةَ ظاهرةٌ لافتةٌ في الخطاب العلماني العربي المحارب للإسلام.. عندما يُذكر الدينُ والعنف، لا يتبادر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *