قلت لصاحبي: هيّا معي نزر أخا فر من الظلم نواسيه في هجرته، .. حطت بنا الطائرة في المدينة الأروبية ونزلنا فندقا بها، ولما علم صاحبي أن ليس لي إلا اسم الأخ المقصود، وليس لي عنوان له ولارقم هاتف ولا دليل إليه عجب واستبعد الاهتداء إليه، فطمأنته قائلا: إننا نسعى في خير ونؤدي واجبا، والله يهدينا بحسب نيتنا فاطمئن، فلم يطمئن، ..كلت أرجلنا من السعي في شوارع المدينة سعيا إلى مظان قد نجد صاحبنا فيها فلم نفلح، بعد صلاة العصر رأيت شابا يافعا علىً دراجة هوائية فاستوقفته وسألته: هل تسمع بشاب في سنك مغربي مهاجر إلى هذا البلد اسمه ..، فقال: نعم، ولكنه في قرية بعيدة عن مدينتنا، فسألته: وكيف نصل إليه؟ فضحك ببراءة المؤمن وقال: أنا أوصلكم إليه بشرط أن تتناولا معي غذائي في بيتي المتواضع، فقبلت وأخذنا إلى بيته وقدم لنا كسكسي تونسيا لذيذا كنا في أشد الحاجةً إليه، ثم استأذن للغياب عنا ساعة يستعير فيها سيارة صاحب له يوصلنا بها إلى بيت صاحبنا …
في منتصف تلك الليلة وصلنا البيت واستقبلنا أخونا الفارّ بدينه، أحسن استقبال
كان اللقاء خير شاهد على أخوة الإيمان وصدقه بين مؤمن تونسي لا نعرف اسمه، ومغربي فار بدينه وعبدين لله قادمين من مكان بعيد…
إنها المحبة في الله والثقة بالله والوفاء لله، ثبتنا الله على صراطه المستقيم.
ما ذكرني بهذا إلا رسالة وصلتني حديثا من صاحبي المهاجر الفارّ بدينه الذي زرته. 

كانت هذه الزبارة في سنة 1984
وحالت ظروف المحنة دون مواصلة الاتصال به إلى أن وصلتني منه هذه الأيام الرسالةً التالية بعد أكثر من أربعين سنةً فكانت دليلا قاطعا على وثاقة الأخوة في الله ودليلا ساطعا على أصالة مرسلها وشريف منبته وصدق أيمانه:
الرسالة موجزة بأهم فقراتها:
(حفظكم اللّٰه ورعاكم استاذنا الكريم
وسدد خطاكم واشهد اللّٰه انني لم انس تلك الزيارة المباركة لي وانا في …سنة 1984 رفقة الأخ التونسي الذي دلك على مسكني. زرتني لمواساتي في تلك المحنة الاليمة وتحملت عناء السفر إلى مدينة… وكان الوقت متأخرا من الليل.
لا أنسى تلك الليلة وخصوصا اني لم احسن ضيافتك من شدة الخوف والصدمة التي كنت اعاني منها وانا مازلت شابا في بداية الطريق. فما كنت الا ان دعوت لي بالصبر قائلا أنما الصبر عند الصدمة الأولى.
حينها علمت أنك نعم الداعية إلى الله.
أسأل اللّٰه أن يكتبها لك في موازين حسناتك وان يرفعك بها في مقام عليين.
امين).