الرئيسية / دراسات / دراسة – رجسة الخراب -إسرائيل-
رجسة الخراب

دراسة – رجسة الخراب -إسرائيل-

رجسة الخراب

 

أما بيـتـز فقد حقق أنها : “المُخَرِّب الشنيع” ويمكن ترجمتها بـ “المخرِّب النجس أو الرجس” ولعل الأصح في الترجمة والأوفق لكلمات الله أن تسمى ((المفسد الرجس)) أو ((الرجس المفسد)).

فلنقرأ ما قال سفر “دانيال” عنها فهو الذي جعل لها هذه الأهمية الكبرى في التاريخ:

ونبدأ ببيان أنه بعد أن أوَّل المَلَك (من الملائكة) لدانيال رؤيا الحيوانات الأربعة السابق ذكرها ختم بخاتمة حاسمة فقال :

((والمملكة والسلطان وعظمة المملكة تحت كل السماء تعطى لشعب قديسي العلي، ملكوته ملكوت أبدي ، وجميع السلاطين إياه يعبدون ويطيعون . إلى هنا نهاية الأمر ))

ولكن دانيال فزع كثيراً ولا يزال في حاجة إلى معرفة أكثر وكأنما رأى أن رؤيا التمثال عامةٌ وتتعلق برائيها “المَلِك” ورؤيا الحيوانات الأربعة تُهِمّه هو. فأراد تفسيراً أوضح لما يجري في قريب الزمان وفي نهايته وهما الطرفان المهمان عادة لكل إنسان . أما المستقبل القريب فكل إنسان يتطلع إلى معرفة مصير هؤلاء البشر ، وهذه الأحداث التي يعيش بينها ولا يكاد أحد -جاهلاً أو عالماً- يخلو من هذا ، وأما المستقبل البعيد فالنهاية دائماً موضع تساؤل واهتمام :

نهاية العالم كله ، ونهاية الأمة التي ينتمي إليها نهاية أهل الإيمان وأهل الكفران لاسيما لمن كان نبياً أو من أتباع الأنبياء.

وهكذا كانت الرؤيا الثالثة :-

((رأيت وإذا بكبش واقف عند النهر ، وله قرنان والقرنان عاليان ، والواحد أعلى من الآخر، والأعلى طالع أخيراً ، ورأيت الكبش ينطح غرباً وشمالاً وجنوباً ، فلم يقف حيوان قدامه ولا منقذ من يده… وإذا بتيس من المعز جاء من المغرب على وجه كل الأرض ولم يمس الأرض ، وللتيس قرن معتبرٌ بين عينيه وجاء إلى الكبش صاحب القرنين.. فاستشاط عليه وضرب الكبش وكسر قرنيه ، فلم تكن للكبش قوة على الوقوف أمامه وطرحه على الأرض وداسه.. فتعظم تيس المعز جداً ، ولما اعتـز انكسر القرن العظيم وطلع عوضاً عنه أربعة قرون معتبرة نحو رياح السماء الأربع ، ومن واحدٍ منها خرج قرن صغير وعظم جداً نحو الجنوب ونحو الشرق ونحو فخر الأراضي ، وتعظم حتى إلى جند السماوات وطرح بعضاً من الجند والنجوم إلى الأرض ، وداسهم وحتى إلى رئيس الجند تعظم ، وبه أبطلت المحرقة الدائمة وهدم مسكن (بيت) مَقْدِسِه وجعل جند على المحرقة الدائمة بالمعصية فطرح الحق على الأرض وفعل ونجح)).

قال دانيال :

((فسمعت قدوساً واحداً يتكلم ، فقال قدوس واحد لفلانٍ المتكلم إلى متى الرؤيا من جهة المحرقة الدائمة ومعصية الخراب لبذل القدس والجند مدوسين ؟ فقال لي : إلى ألفين وثلاث مئة صباح ومساء . فيتبرأ القدس)).

 

وفي الطبعة الكاثوليكية :

((إلى ألفين وثلاث مئة مساء وصباح ثم تُرد إلى القدس حقوقه)).

وهكذا طلب دانيال من المَلَك أن يعبر الرؤيا . فخاطبه قائلاً :

((يا ابن آدم إن الرؤيا لوقت المنتهى…  ها أنذا أعرفك ما يكون في آخر السخط لأن الرؤيا لميعاد الانتهاء ، أما الكبش الذي رأيته ذا القرنين فهو ملوك مادي وفارس، والتيس العافي مُلْك اليونان ، والقرن العظيم الذي بين عينيه هو الملك الأول، وإذا انكسر وقام أربعة عوضاً عنه فستقوم أربع ممالك من الأمة ليس في قوته([1]) ، وفي آخر مملكتهم عند تمام المعاصي يقوم ملك جافي الوجه وفاهم الحيل ، وتعظم قوته ولكن ليس بقوته ، يهلك عجباً وينجح ويفعل ويبيد العظماء وشعب القديسين وبحذاقته ينجح أيضاً المكر في يده ، ويتعظم بقلبه وفي الاطمئنان يهلك كثيرين ويقوم على رئيس الرؤساء وبلا يد ينكسر . فرؤيا المساء والصباح التي قيلت هي حق ، أما أنت فاكتم الرؤيا لأنها إلى أيامٍ كثيرة)).

[8 : 2-26]

ولكن الشوق إلى المعرفة يزداد لاسيما ودانيال يعيش زمن أحداث كبرى بين إمبراطوريتي بابل وفارس ، ويهمه جداً مصير شعبه البائس المسبي ، ويهمه شأن القدس ومن يسيطر عليها ، فأخذ يتضرع ويبكي ويصلي حتى أراه الله رؤيا أكثر دقة من جهة الزمن والعدد ، ولكن تعبيرها مشكل جداً ولا نشك أن القوم حرفوها وأحالوا وضوحها ودقتها غموضاً . إنها رؤيا “الأسابيع” المشهورة وفيها يقول الملَك له :

((سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القديسين ، فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً…)) إلى أن يقول :

((وشعب رئيس آتٍ يخرب المدينة والقدس ، وانتهاؤه بغمارة (طوفان) وإلى النهاية حرب وخِرَبٌ قضى بها ، ويثبت عهداً مع كثيرين في أسبوع واحد وفي وسط الأسبوع  يبطِّل الذبيحة والتقدمة ، وعلى جناح الأرجاس مُخَرِّب حتى يتم ويصب القضاء على المخرَّب)).

[9 : 24-27]

وفي الطبعة الكاثوليكية :

((ويأتي رئيس فيدمروا المدينة والقدس وبالطوفان تكون نهايتها ، وإلى النهاية يكون ما قضى من القتال والتخريب ، وفي أسبوع واحد يقطع عهداً مع كثيرين عهداً ثابتاً وفي نصف الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة ، وفي جناح الهيكل تكون شناعة الخراب إلى أن ينصب الإقناء المقضي على المخرب)).

إن هذا الغموض يجعلنا نجزم بوقوع التحريف وإن كان بعض الباحثين بذلوا جهوداً حسنة لتفسير هذه النبوءة لتطابق مولد المسيح أو بعثة محمد .

([1]) هذا ما حدث فعلاً فبعد وفاة الاسكندر انقسمت مملكتهم أربعة أقسام أيام البطالمة (واحدهم : بطليموس).

تنبيه : لا شك عندي أن هنا إسقاطاً من كلام دانيال تعمده أهل الكتاب ، لأن قوله (في آخر مملكتهم) لا علاقة له بما قبله ، فهذا إنما يكون في آخر مملكة الفريسين ، كما هو ظاهر من السياق ومن المدة التي حددها دانيال ونبه إلى أنها في آخر الزمان مراراً.

وعلى أي حال عرف دانيال التسلسل الزمني للأحداث ولكن كيف تقع ؟ لا يزال الإنسان في شوق شديد إلى المعرفة والرب كريم يعطي كل مرة.

يعود دانيال إلى الصلاة والضراعة فيأتيه الملك قائلاً :

((جئت لأفهمك ما يصيب شعبك في الأيام الأخيرة لأن الرؤيا إلى أيامٍ بعد))

[10 :14]

هنا نلحظ تكرار التنبيه إلى تأخر زمان وقوع التأويل بهذه العبارة وما في معناها حتى لا يخطئ دانيال.

فقد كان دانيال يريد المستقبل القريب والرؤيا تحدد الأهم وهو النهايات البعيدة ، والملك يوصي دانيال ألا ينسى هذا فيظن أن هذا في القريب ، وهو مع ذلك يخبره بما سيقع مـن حروب بين ملوك فارس واليونان وملك الشمال وملك الجنوب يهمنا منه قوله :

((وتقوم منه -أي من ملك الشمال- أذرع وتنجِّس المقدس الحصين وتنـزع المحرقة الدائمة وتجعل الرجس المخرِّب)).

[11 : 21]

وهو يشير إلى حكومة وثنية تتسلط على بيت المقدس وتقيم فيه عبادتها ، اختلف أهل الكتاب ما هي ؟ وهذا لا يهمنا بل المهم هو أن هذا يوضح ماهية الرجس المخرب الآخر الذي سيأتي بعد ويقيمه الوحش أو القرن الصغير في الأرض نفسها وأنه دولة ، فالاسم واحد لكن المذكور هنا وثني أما الآخر فقد سبق بيان أنه إسرائيلي !!

ويختم الحديث عن تلك الأحداث بقيام الساعة وبعث الأموات ويوصي دانيال قائلاً :

((أما أنت يا دانيال فأخفِ الكلام واختم السفر إلى وقت النهاية)).

ولكن الملكين يخاطب أحدهما الآخر ليسمع دانيال ويفهم قائلاً :

(( إذا تم تفريق الشعب المقدس تتم هذه )).

وعندها يقول دانيال :

((وأنا سمعت وما فهمت فقلت يا سيدي ما هي آخر هذه ؟ فقال : اذهب يا دانيال لأن الكلمات مخفية ومختومة إلى وقت النهاية … من وقت إزالة المحرقة الدائمة وإقامة رجس المخرِّب (وفي ترجمة أخرى : شناعة الخراب) ألف ومائتان وتسعون يوماً ، طوبى لمن ينتظر ويبلغ إلى الألف والثلاث مئة والخمسة والثلاثين يوماً ، أما أنت فاذهب إلى النهاية فتستريح …)).

وانتهى السفر واستراح دانيال ولاسيما وقد اطمأن إلى أن القدس ستعود لـه حقوقه بعد 45 سنة !!

ولكن أهل الكتاب لم يستريحوا ولن يستريحوا بشأن هذه الأحداث إلا من ترك التعصب وفتح عينيه على الحقائق – لقد تعبوا وأتعبوا العالم وأتعبونا..

إن ما تقدم هو عرض موجز لأهم النبوءات في الكتاب المقدس كله “نبوءات دانيال” ومنه نلحظ أموراً كثيرة ، منها :-

1-                 زيادة توكيد لما سبق من الحديث عن ” القرن الصغير ” فهو ماكر محتال زنديق لا يقوم بقوته بل بالاعتماد على غيره ، وعدوه هم شعب القديسين أتباع خاتم الأنبياء فهو يتعالى عليهم ويسقط رئيس رؤسائهم ((الخليفة)) بلا جيش  وأخبث أعماله أنه يدوس القدس ويهينها بجنده ويبطل الصلاة[2] ويهدم بيت الله فيها ويقيم فيها دولته الموصوفة بالرجس المخرِّب.

2-       هذا القرن الصغير يفعل ذلك في أيام سلطان المملكة الأخيرة مملكة القديسين لا في أيام فارس والروم .. وقيام دولة الرجس لا يدل على انقضاء تلك المملكة الأبدية، وهذا ما أكده السفر مراراً ، وإنما هو حدث عارض محدود المدة والمكان ، فهو ليس من جنس ما في رؤيا التمثال حيث تسقط مملكة وتقوم أخرى مكانها ولا من جنس ما في رؤيا الحيوانات الأربعة حيث يتغلب واحد ضخم هائل على الأخرى . لا ، لاشيء من ذلك ، فهذا قرن صغير ، ومجال سيطرته محدود ، لكن مكره كبير ودهاؤه عظيم ووراءه قوة عظمى تمده ، ويصادف ذلك حالة ضيق شديدة [أشار إليها دانيال (12: 1)] وضعف شديد لدى شعب القديسين ، لكن الضيقة تـزول والقديسون ينتصرون من جديد ويفرحون بيوم زوال رجسة الخراب وتطهير القدس منها . أن هذا القرن الصغير الخبيث المفسد يهدم ويقيم ، يهدم بيت قدس الله ويقيم الرجسة مكانه ومن هـنا قال بعض شراح أهل الكتاب : إن الرجسة هي “صنم يقوم في الهيكل” وبالأصح “هيكل يقام في المسجد” وليس هذا الخلاف في معنى الرجسة مؤثراً ، لأنه لا يقام بناءٌ أجنبيٌّ عدوٌ في معبد أمة ما إلا بجند وسلطة، فالرجس مدلوله عام وخاص ، العام قيام الدولة الرجسة نفسها والخاص بناؤها للصنم أو الرجس الذي تتعبد لـه أو فيه !! كما أن إزالة الصنم من بيت الله لا تكون إلا بجند وسلطة . هكذا فعل النبي  حين فتح مكة وهكذا سيفعل أتباعه إذا دخلوا المسجد ووجدوا فيه بناءً رجساً لدولة الرجس !! (وربما لا يكون الرجس الذي فيه إلا علم الدولة الصهيونية) ولهذا كان أكثر الشراح لا يرتابون في أن قيام الرجسة هو قيام دولة رجسة مخربة على أرض القدس ولكن ما هي هذه الدولة ؟! الأمم الثلاث التي تعظم القدس كل منها قد أقام دولته عليها أو فتحها وغلب عليها ولا شك أن واحدة منها هي الرجسة دون الأخريين.

ومن هنا نستطيع معرفة تلك الدولة ليس من كلام دانيال فحسب بل من شهادة التاريخ والواقع. والأمر المهم هنا هو أن هذه الدولة ستكون بعد المسيح  لأنه كما في إنجيل متَّى وغيره  أخبر عما قاله دانيال وأوضح أن ذلك سيكون في آخر الزمان على ما سيأتي تفصيله ، وبهذا يظهر خطأ من قال إن قيام الرجسة كان قبل المسيح وأن المقصود هو هيكل الصنم ” زيوس ” وكذلك من قال إنها في الأحداث التي تلت وفاته بعدة عقود (سنة 70  أو  135) لأسباب كثيرة :

1-       أن تلك الأحداث عادية في قائمة أحداث التاريخ وقد عرف التاريخ اليهودي مثلها كرات ومرات كما في عهود القضاة !!

2-       أن اليهود حينئذ كانوا كفاراً لكفرهم برسالة المسيح والمعنيُّ بتلك الأحداث هم المؤمنون برسالته.

3-       أن تلك الأحداث تخالف الزمان والشروط الأخرى التي حددها دانيال والمسيح ، بل تخالف ما جاء في معظم أسفار الأنبياء عن عودة اليهود ومحاكمتهم وتجمعهم النجس وحلول غضب الله عليهم بواسطة الأمة المختارة ، وغير ذلك مما سوف يأتي الحديث عنه مفصلاً بحيث لا يبقى لدى القارئ شك.

إن الشراح اليهود بسبب كفرهم بالمسيح  ورسالته لا يعتدون بكلامه أصلاً، ومن هنا فسروا قيام الرجسة بأنها وثن يقام مكان الهيكل ، ثم احتاروا واختلفوا متى قام أو يقوم ، فبعضهم جعل ذلك قبل المسيح ، وبعضهم بعده ، واضطربوا اضطراباً شديداً في الزمن الذي حدده دانيال بدقة ولاسيما من فهم منهم الأيام على ظاهرها المعروف . أما من فسرها بالسنين فقد لزمه يقيناً أن يعترف بأن ذلك لم يقع ولن يقع إلا بعد مرور ألفين وثلاث مئة سنة ، وخاصة أنه لم يقع في التاريخ أن دولة جاءت بعد 2300 يومٍ وأقامت دولة لمدة 45 يوماً ورحلت !!

إن هذا من التفاهة بحيث لا يستحق أن يدونه التاريخ إلا عبوراً !!

وذلك أن الأسفار نفسها تحدد اليوم بالسنة كما في حزقيال ((قد جعلت لك كل يوم بسنة. 4 : 6)) كما أن لفظ الرؤيا ((طوبى لمن ينتظر…)) لا يدل على 45 يوماً فالانتظار إنما يكون لخمسة وأربعين سنة.

على أن لدينا شهادة مهمة من اليهود أنفسهم ، فإن طائفة عظيمة منهم كانت ولا تـزال –تقول إن الكيان الصهيوني القائم حالياً هو الرجسة- وهم الذين حذروا أتباعهم من الفكر الصهيوني قديماً وحديثاً ، ولديهم إيمان عميق بأن تجمع اليهود هو لحلول غضب الله عليهم وانتقامه منهم ، وهم طائفة كبيرة في أمريكا وغيرها ، ومنهم من يؤمن بهذه الحقيقة ولكنه يفسرها تفسيراً علمانياً وأشهرهم المفكر اللغوي العالمي “نعوم شومسكي” ، ومنهم مجموعات في الأرض المحلة نفسها ومنهم الحاخام “هيرش” وزير الشؤون اليهودية في السلطة العرفاتية ومجموعته تسمى “ناتوريم كارتا” نواطير القرية (حراس القرية).

فلندع اليهود إذن ولننظر ماذا قال النصارى ؟

إن الخطأ المشترك بين الطائفتين هو أن المقصود بالرجسة شعب غير اليهود ، وغير اليهود هم عند الطائفتين وثنيون ، ومن هنا كان من السهل وصف أي دولة وثنية بالرجس حتى أن “بيتـز” نفسه مع إقراره بأن اليهود سيكونون وثنيين في عبادتهم فسر الرجسة بأنها “مملكة آشور” التي تغزو الأرض المقدسة في آخر الزمان (ص 209).

وربما كان لـه العذر لكونه كتب ذلك قبل قيام دولة إسرائيل وما كان أحد يتخيل قيام دولة لليهود ، ولهذا هو لم يسمهم -عند عودتهم إلى أورشليم- دولة بل كتلة أو مجموعة كما رأينا.

ثم إنه وأمثاله كانوا يتصورون أن اليهود سيكونون مضطهدين تحت تأثير الحكم الأممي (العربي) ولهذا فسوف يـبادرون إلى الإيمان بالمسيح حال حلول الألفية أو حال نزوله وسيكون ذلك معجزة كما عبر “ماكينتوش” بقوله :

((إن دهشة كل العالم في ذلك اليوم ستكون كيف أن هذه الأمة النجسة قد أصبحت مقدسة للرب))([3]).

ويعلل ذلك بأن ((الثلث فقط هم الذين سينقذون من النار الآكلة والضيقة)) وهذا إشارة منه إلى ما ورد في الأسفار عن نهاية دولة الرجس كما في فصلٍ آتٍ.

إذن فهؤلاء لديهم نصف الحقيقة وهو كفر اليهود ونجاستهم ، أما أن تكون لهم دولة فهو النصف المفقود ، وهم بلا ريب أفضل حالاً من سائر الشُّرَّاح والمؤرخين الذين اعتمد الأصوليون المعاصرون على تفسيرهم الإجرامي لرجسة الخراب ، ومنهم “ستيفن رنسمان” مؤلف كتاب تاريخ الحروب الصليبية المشهور الذي قال :

((في أحد أيام شهر فبراير سنة 638 دخل إلى بيت المقدس الخليفة عمر بن الخطاب…

وسار إلى جانب الخليفة البطريرك صفر ونيوس باعتباره رأس رجال الإدارة في المدينة التي أذعنت، على أن عمر بادر بالتوجه رأساً إلى موقع هيكل سليمان (؟!!) الذي صعد منه صاحبه سيدنا محمد  إلى السماء ، وبينما كان البطريرك ينظر إليه أثناء وقوفه استذكر أقوال المسيح ، وأخذ ينبس بها من خلال دموعه :

((فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي ……

كان هذا آخر ما قام به البطريرك من الأعمال العامة وكان الذروة الفاجعة لحياة طويلة أنفقها في سبيل الأرثوذكسية ووحدة العالم المسيحي))([4]).

وعلى هذا الرأي أيضاً المؤرخ النصراني العربي “فيليب حتى”([5]).

وقد تصدى المهتدون من أهل الكتاب للرد على هذا ، بل إن بعضهم ذكر نبوءة دخول عمر رضي الله عنه إلى القدس من التوراة دون أن يعلم من قال هذا القول الفاحش ، وذلك بما جاء في سفر زكريا :

((ابتهجي جداً يا بنت صهيون واهتفي يا بنت أورشليم

هو ذا ملكك آتيا إليك

بارّاً مخلصاً متواضعـاً …

ويكلم الأمم بالسـلام

ويكون سلطانه من البحر إلى البحر

ومن النهر إلى أقاصي الأرض ))

[9 : 9-10]

وهي النبوءة التي يفسرها النصارى –رغماً عنها– بأنها تعني دخول المسيح إلى القدس زائراً وحيداً !(*) ولو لم يكن للفتح الإسلامي أي نبوءة ولو لم يكن الفاتح هو عمر بنفسه فإن وصف الرجس أبعد ما يكون عن أمة التوحيد وفتوحاتها العظمى التي أخرجت الناس من الظلمات والرجس إلى النور والطهارة ، وهذا ولله الحمد ما شهد به التاريخ كله ، ولا ينكره إلا مكابر أسقمه التعصب وأعمى عينه الحقد.

ثم إنه لا ينطبق عليها بحال أنها بعد 2300 سنة سواء كان الابتداء من وفاة دانيال أو من التاريخ الإسكندري لأن دانيال توفي سنة (453) ق.م ، وما بين هذه السنة والفتـح الإسلامي هو ( 453 + 638 = ) 1091 سنة !!

وإن كان بالتقويم الإسكندري فهو ( 333 + 638 = ) 971 فقط !!

وهنا لا بد أن نعرج على أرقام دانيال ، وإن كنا نحب تأخير الحديث عنها لأن الوقائع والحقائق الثابتة تجعلنا في غنى عنها ، ولكن ما من الأمر بد لاستكمال الصورة :

يقول دانيال إن قيام رجسة الخراب إلى 2300 سنة أي سيكون بعد 2300 سنة -كما أوضحنا – فهذا الأسلوب (( إلى متى .. إلى كذا )) متكرر في الرؤيا نفسها وغيرها من الأسفار ، وهو من الخطأ في الترجمة أو من الترجمة الحرفية غالباً ، لاسيما وقد رأينا التوكيد على أنها في آخر الزمان وعند حلول السخط وبعيدة الوقوع.

ولا يخالفنا في هذا أحد من الباحثين الذين يفسرون اليوم بالسنة وقد تبين لنا سقوط التفسير الحرفي بأنه اليوم المعروف.

ولكن الاختلاف والإشكال هو من أين يبدأ ؟

يمكن معرفة الأقوال من شرح ” جانسي ” الذي جمعه حسب قوله من خمسة وثمانين تفسيراً كتابياً وقال فيه كما لخصه الشيخ رحمة الله الهندي :

((تعيين زمان مبدأ هذا الخبر في غاية الإشكال عند العلماء من قديم الأيام ومختار الأكثر أن زمان مبدئه واحد من الأزمنة الأربعة التي صدر فيها أربعة فرامين (مراسيم) سلاطين إيران :

الأول : سنة 636 قبل ميلاد المسيح التي صدر فيها فرمان قورش.

الثاني : سنة 518 قبل الميلاد التي صدر فيها فرمان دارا.

الثالث : سنة 458 قبل الميلاد التي حصل فيها فرمان اردشير لعزرا…

الرابع : سنة 444 قبل الميلاد التي حصل فيها لنحميا فرمان أردشير (الأخير)..

والمراد بالأيام السنون ويكون منتهى هذا الخبر [أي زمن وقوعه كما سبق أن أوضحنا] باعتبار المبادئ المذكورة على هذا التفصيل :

بالاعتبار الرابع بالاعتبار الثالث بالاعتبار الثاني بالاعتبار الأول
سنة 1856 سنة 1843 سنة 1782 سنة 1764

يقول جانسي الذي ألف كتابه سنة 1838 م :

((ومضت المدة الأولى والثانية وبقيت الثالثة والرابعة والثالثة أقوى وعندي هي بالجزم)).

ونحن نقول عندنا كما عند العالم كله اليوم إن هذا خطأ فماذا بعد ؟.

ويقول جانسي :

((وعند البعض مبدؤه خروج الإسكندر الرومي (الصحيح اليوناني) على ملك إيشيا (آسيا) (يعني دارا الفارسي) وعلى هذا منتهى هذا الخبر سنة 1966))أ.هـ([6]).

وعلق الشيخ “رحمة الله” المتوفى سنة 1891م على هذا قائلاً :

((إن كذب المبدأ الأول والثاني كان قد ظهر في عهده ، كما اعترف هو نفسه وقد ظهر كذب الثالث الذي كان أقوى في زعمه جازماً به وكذا كذب الرابع ، ..بقي المبدأ الخامس))([7]).

ولما كان هم الشيخ متوجهاً إلى إبطال كل نبوءات الأسفار لإثبات أنها محرفة أو مشكوكاً فيها فقد توقع للخامس الكذب أيضاً وقال :

((ومن يكون في ذلك الوقت يرى أنه (يعني الخامس) كاذب أيضاً إن شاء الله)) بل إن الشيخ لما نقل قول من قال منهم إن الواقع هو الذي سيظهر حقيقة هذه النبوءة رده بتهكم وعلل ذلك بأن هؤلاء معذورون لكون الكلام فاسداً من أصله))([8]).

ونحن نقول :

رحمة الله على الشيخ “رحمة الله” لقد كان في وسعه أن يعلق الأمر ، لأن الجزم بنفي أمر محتمل الوقوع عقلاً فيه مجازفة وإن كانت الغاية إثبات التحريف ، إذ ليس كل شيء محرفاً باتفاق فلا أقل من أن ندع للاحتمال مجالاً.

ثم إن الشيخ لما كانت تلك غايته لم يلتفت إلى ترجيح القول الأخير أو تضعيفه في ذاته فاقتضى ذلك أن نقول :-

إن أصل الخطأ في الأقوال الأربعة هو تحديد المبدأ بصدور المرسوم بتجديد أورشليم، وهذا ما لا ذكر لـه في الرؤيا نفسها –رؤيا الكبش والتيس- وإنما ورد في رؤيا الأسابيع السالف ذكرها ، وهي رؤيا أخرى -والأرجح عندنا أن العبارة نفسها مقحمة في الرؤيا (أي عبارة : منذ صدور الأمر…) والله أعلم- ، فالذين فسروا المبدأ بظهور الإسكندر أرجح لأنهم استنبطوه من الرؤيا نفسها . وبعد موت دانيال اتخذ الناس التاريخ الإسكندري. ومبدؤه من حادثة استيلائه على آسيا وهي سنة 334 عند البعض ولكنها سنة 333 على الصحيح المشهور ، وظل هو التاريخ العالمي حتى وضعت الكنيسة التاريخ الميلادي ، وعليه فيكون :

قيام رجسة الخراب هو (2300-333) = سنة 1967 !!

وهو ما حدث فعلاً وكان وقعه أليماً شديداً على أمة القديسين !!

وكان فرحاً عظيماً للصهاينة والأصوليين !!

وهو فعلاً –بغض النظر عن الأرقام والنبوءات– أعظم حدث تاريخي لليهود منذ قرابة ألفي سنة !!

والآن وقد رأينا رجسة الخراب قائمة ، برجسها وخرابها بوحشيتها وشناعتها بوثنيتها وإلحادها ، بتعطيل الصلوات في المسجد الأقصى وهدمه وحرقه -ونسأل الله أن يكف شرها فلا تقضي على البقية الباقية منه- الآن نعود إلى قول المسيح  عنها لنرى حقيقة هؤلاء الصهاينة الإنجيليين أهم مسيحيون كما يدعون أم أتباع الوحش الصهيوني وهم يشعرون أو لا يشعرون ؟

في إنجيل متَّى عن المسيح :

((وفيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين :

قل لنا متى يكون هذا (( هدم الهيكل )) وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر ؟

فأجاب يسوع : وقال لهم : انظروا لا يضلكم أحد فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين أنا المسيح ، ويضلون كثيرين ، وسوف تسمعون بحروب وأخبار حروب . انظروا لا ترتاعوا ، لأنه لابد أن تكون هذه كلها ، ولكن ليس المنتهى بعد . لأنه تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في أماكن ولكن هذه كلها مبتدأ الأوجاع… ويقوم أنبياء كذبة كثيرون .. ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلَّص ويكرِّز (أي يذكر

 ويعظ)  ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم. ثم يأتي المنتهى.

فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس -ليفهم القارئ- فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال ، والذي على السطح فلا ينـزل ليأخذ من بيته شيئاً ، والذي في الحقل فلا يرجع إلى ورائه ليأخذ ثيابه…

وحينئذ إن قال لكم أحد هو ذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدقوا . لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضاً . ها أنا قد سبقت وأخبرتكم فإن قالوا لكم ها هو في البرية فلا تخرجوا ، ها هو في المخدع فلا تصدقوا . لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضاً مجيء ابن الإنسان لأنه حيثما تكون الجثة فهناك تجتمع النسور)).

[24 :1-8،11-20،23-28]

كالعادة.. نصوص عن أحداث هائلة لكن غموضها محير واختلافهم فيها شديد ، وذلك بسبب التحريف بالزيادة والنقصان ، ومع ذلك فلها تفسير وحيد لا يصح غيره ، وكلما نرجوه أن يستعين أهل الكتاب بمفاتيح الرموز التي أهديناها لهم مجاناً ، وسيجدون التفسيرات المقبولة -بشرط افتراض التحريف دائماً- والمفتاح هنا هو”ابن الإنسان” أو “ابن الرجل” فهو محمد  وهو مذكور بهذه الصفة في الأناجيل لهدف واضح وهو التفريق بينه وبين ابن العذراء عيسى .

ورجسة الخراب قد عرفناها ، وإذا قامت فالذي سيأتي هو ابن الإنسان بجيوشه لا بذاته.

فالموضوع متحد بين ما في سفر دانيال وما هنا فممالك تقوم على ممالك وخاتمتها في كليهما هو قيام مملكة ابن الإنسان وتداعي جيوشه للقضاء على الرجسة أو ((الجثة)).

(دانيال : 7 : 13-14) و (مـتَّى : 24-31)

ورجسة الخراب هي هي . بل تصريح باسم دانيال في متى ومرقص (13-15) إلا أن لوقا يشرح الرجسة بما يؤيد ما قلنا فهو يقول :

((متى رأيتم أورشليم محاطة بجيوش … إلخ 12 : 2)) فهو موضوع واحد لا أظن أن أحداً من الأصوليين وغيرهم يجادل فيه ، وعليه فما وصية المسيح وما أمره لمن أدرك ذلك الزمان – زمان قيام رجسة الخراب ؟

لقد حذر أبلغ تحذير من المسحاء الكذابين في أول كلامه وفي آخره ، وحذر من الاغترار بقولهم إن المسيح نـزل أو موجود هنا أو هناك ، وزجر عن البقاء مع الأرجاس، مشدداً على الهرب العاجل من بينهم لأن عقوبة الله الأليمة ستنـزل بهم على يد جيوش المسيح الآخر ابن الرجل لا ابن العذراء ، الذي ستهاجم جيوشه دولة صهيون كما تهاجم النسور الجثة ، وكلتاهما رجس منتن !!

وصية عظيمة وقضية واضحة كالشمس ، فهل يعي ذلك جيري فولويل ، وبات روبنسون، وجيمي سواجارت وأمثالهم وأشياعهم ؟!

وهل يسمع المختارون ( أمة الإسلام ) فلا يضلون كما ضل أهل الكتاب ؟

ربما يجادل الأصوليون في تفسير النص كالعادة قائلين : ((أن ابن الإنسان شخصية سماوية))([9]).

فليكن ولكن ماذا يقولون في وصية المسيح حين تقوم الرجسة ؟!

أتتفق مع الضجة الكبرى التي يفتعلونها والصخب الهائل الذي يثيرونه فرحاً وابتهاجاً بقيام رجسة الخراب وتبشيراً للعالم بأن قيامها هو تمهيد لنـزول المسيح وحضاً للأتباع على زيارتها والحج إليها لملاقاته حين ينزل فجأة وضغطاً شديداً لكي تقف أمريكا والعالم دائماً مع دولة الرجس والعدوان ؟

أليس هذا أعظم المناقضة والمعاندة لما قال المسيح ؟!

ثم أليست أناجيلهم كلها تنسب قتل ربهم المزعوم والتآمر عليه إلى اليهود ، فهل رأى عقلاء العالم أمة تقدس قاتل معبودها ، وتعادي من يحب رسولها ويؤمن به أشد الحب وأعظم الإيمان !!

ألم يصف المسيح  اليهود بمثل ما ورد في الأسفار (( ألاد الأفاعي، قتلة الأنبياء، المراؤون ، القادة العميان ، الغشاشون … وحسبك بالفصل الثالث والعشرين من متَّى..؟!

 

فمتى يفيق الملايين من الأصوليين أتباع هؤلاء المسحاء الكذابين..؟

الأسفار كلها تحدد “الرجسة”

إذا كان الحديث عن صفات اليهود الإجرامية وسلوكهم المشين عداءً للسامية كما يدعي الصهيونيون فإن أعظم كتاب على وجه الأرض معاداة للسامية هو التوراة نفسها، فلو جمعنا كل ما أصدرته الكنائس النصرانية من لعنات على اليهود ، وأضفنا إليه ما صورته الروايات العالمية عنهم كما عند “شكسبير” و”ديكنـز” وغيرهما ثم جمعنا الشعراء العرب وطلبنا منهم ديواناً في هجاء إسرائيل ، لو جمعنا هذا كله في كتاب واحد فلن يكون مثل ما ورد في أسفار التوراة ولا قريباً منه ، ولكن المصيبة أن أكثر اليهود لا يقرأون ذلك فضلاً عن المهووسين بحب إسرائيل من الأصوليين النصارى بل إن كثيراً من العرب والعالم لا يعلمون عنه شيئاً.

إن التوراة كلها -وليس سفر دانيال وحده- تحدد المراد برجسة الخراب على مدى فصول طويلة وتبدئ وتعيد في ذلك بأساليب متعددة في التعبير والبيان من الأمثال والاستعارات والمجازات ما بين تكرار وإسهاب واختصار.

أما الصفات المذمومة فلا حصر لها ، إنها تشمل كل خلق ذميم بلا استثناء ، إلا أن وصفاً واحداً يتكرر كقافية الشعر العربي في كل سفر ،مما يدهش قارئ التوراة أياً كان ، ويزيد الدهشة أن هذا الوصف خاصة يجب أن يكون أبعد الأوصاف عن شعب يدعي أنه شعب الله المختار استناداً إلى هذا الكتاب نفسه ، هذا الوصف هو النجاسة ، وهي نجاسة مركبة معجونة بدم الطمث ومعصرة الوحشية والعنف ممزوجة بالغدر والصلف ، نجاسة ذاتية لا يطهرها شيء..

((إنك لو اغتسلت بالنطرون وأكثرت من الأشنان لا تـزالين ملطخة بإثمك يقول السيد الرب : كيف تقولين لم أتنجس ؟))

[أرميا 2 : 22]

((خطئت أورشليم خطيئة لذلك صارت نجسة)).

وفي الترجمة الأخرى : ((رجسة)).

[أرمياء 1 : 8]

 وهي نجاسة زانية : ((دنست الأرض بزناها))

[أرمياء 3 : 2]

((بل تحت كل شجرة خضراء زنت)) وليس مع فاجر واحد بل : ((زنت مع أخلاء كثيرين)) (ن.م) لا بل : ((زنت مع الحجر ومع الخشب)).

[أرمياء 3 : 9]

وقضى الله أن لا تطهر من نجاستها أبداً.

((إن في نجاستك فجوراً لأني أردت أن أطهرك فلم تطهري ولن تطهري بعد اليوم من نجاستك إلى أن أريح فيك غضبي)).

[حزقيال 24 : 13]

   ولهذا يذكر سفر أرمياء أن الرب قال له :

((إني بسبب زنى المرتدة إسرائيل قد طلقتها فأعطيتها كتاب طلاق))

( 3 : 8 )

وسبب هذه العقوبة واضح متكرر.

((تدنست الأرض تحت سكانها لأنهم تعدوا الشرائع ونقضوا الحكم ونكثوا العهد الأبدي فلذلك أكلت اللعنة الأرض)) ؟؟.

هذه اللعنات مسطورة في سفر التثنية يقول :

((وإن لم تسمع لصوت الرب إلهك حافظاً وصاياه وفرائضه التي أنا آمرك بها اليوم ، ولم تعمل بها تأتي عليك هذه اللعنات كلها وتدركك ؛ فتكون ملعوناً في المدينة، وملعوناً في البرية، وتكون ملعونة سلتك ومعجنك ، وملعوناً ثمر بطنك وثمر أرضك ونتاج بقرك وغنمك، وتكون ملعوناً أنت في دخولك ، وملعوناً أنت في خروجك ، يرسل الرب عليك اللعنة والاضطراب والوعيد في كل ما تمتد عليه يدك وما تصنعه ، حتى تبيد وتهلك سريعاً بسبب سوء أعمالك بعدما تركتني)).

وعلى مدى أربعة وعشرين فقرة تستمر هذه اللعنات في أسلوب لا نظـير لـه ثم تختتم قائلاً :

((هذه اللعنات كلها تأتي عليك وتطاردك وتدركك حتى تبيد ، لأنك لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحفظ وصاياه وفرائضه التي أمرك بها فتكون فيك آية وخارقة وفي نسلك للأبد)).

[28 : 15 – 46]

وكما أن تلك النجاسة مزيجها اللعنة فإن الخزي قرينها ((كما يخزى السارق حين يضبط كذلك خزي بيت إسرائيل هم وملوكهم ورؤساؤهم وكهنتهم)).

[أرمياء 2 : 26]

ونجاسة إسرائيل هذه تخرج من فوق كما تخرج من أسفل ولذلك قال أشعياء في سفره : ((أنا مقيم بين شعب نجس الشفاه)).

[6 : 5]

وحتى بعد موتهم وطردهم من الأرض المقدسة تلاحقهم النجاسة ، ففي عاموس :

((على بيت إسحاق هكذا قال الرب : إن امرأتك تـزني في المدينة وبنيك وبناتك يسقطون بالسيف ، وأرضك تقسم بالحبل ، وتموت أنت في أرض نجسة، وإسرائيل يطرد من أرضه طرداً)).

[7 : 17]

لقد فاقت في رجاستها وفواحشها ومظالمها أكثـر الأمم نجاسة في التاريخ:

((صار إثم بنت شعبي “أورشليم” أعظم خطيئة من سدوم التي قُلِبت في لحظة ولم تمد إليها يد)).

[مراثي أرمياء 4 : 6]

((إن سدوم أختك لم تصنع هي وتوابعها مثلما صنعت أنت وتوابعك)).

[المراثي 16 : 48]

ومن أعظمها الوحشية والإفراط في سفك الدم ولهذا فحين يسأل حزقيال ربه ((أتهلك جميع بقية إسرئيل في صب غضبك على أورشليم ؟)).

(لا حظوا قوله بقية إسرائيل).

يقول الرب :

((إن إثم بيت إسرائيل ويهودا عظيم جداً جداً وقد امتلأت الأرض دماءً وامتلأت المدينة انحرافاً)).

[9 : 8 ، 9]

وفي مراثي أرمياء يصور حالة الوحشية والفوضى الصهيونية وكأنه يتحدث عن الانتفاضة المعاصرة :

((سفكوا في وسطها دم الأبرار ، تاهوا كعميان في الشوارع ، تلطخوا بالدم حتى لم يطق أحد أن يلمس ملابسهم ، نادوهم : تنحوا ، هناك نجس ، تنحوا تنحوا ولا تلمسوا)).

[4 : 13- 15]

   واستمعوا إلى هذه التعبيرات :

((لكثرة إثمكِ –يعني أورشليم– كشفتْ أذيالكِ فاغتصبتِ… فأنا أيضاً رفعت أذيالكِ على وجهكِ وظهر عارك ، فسقكِ وصهيلكِ وفحش زناكِ على التلال وفي الحقول رأيت أقذاركِ ، ويل لكِ يا أورشليم إنكِ لا تطهرين فإلى متى بعد)).

[أرمياء 13 : 22 ، 26 ، 27]

وأصبح من المعتاد أن يخاطبوا كما في أشعياء :

((يا بني السامرة نسل الفاسق والزانية بمن تسخرون وعلى من تفتحون أفواهكم وتدلعون ألسنتكم ألستم أولاد المعصية ونسل الكذب)).

[57 : 4]

ويقول سفر هوشع عن الرب :

((رأيت في بيت إسرائيل ما يقشعر منه ، هناك زنى أفرائيم وتنجس إسرائيل)).

[6 : 10]

وحرصاً على وقتنا ووقت القارئ وخوفاً من مقص الرقيب الأخلاقي لا نفيض في ذكر هذه النجاسات والأرجاس ونكتفي بما قال حزقيال عن جرائم أفرائيم كما في هذه الألفاظ.

((وكانت إليَّ كلمة الرب قائلاً : وأنت يا ابن الإنسان ، هلا تدين ، هلا تدين ، مدينة الدماء وتعلمها بجميع قبائحها . فقل : هكذا قال السيد الرب : المدينة التي تسفك الدم في وسطها يأتي وقتها ، فإنها تصنع قذارات لتتنجس بها . لقد أثمت بدمك الذي سفكته ، ونجستِ بقذاراتك التي صنعتها فأدنيت أيامك وبلغتِ إلى سنيّك ، فلذلك قد جعلتك عاراً للأمم وسخرة لجميع الأراضي . الدانيات منك والقاصيات عنك يسخرن منك ، أيتها النجسة الاسم الكثيرة الاضطراب . ها إن رؤساء إسرائيل كانوا فيك لسفك الدم ، كل واحد على ما أطاقت ذراعه. فيك أهانوا أباً وأماً ، وفي وسطك عاملوا النـزيل بالظلم ، وفيك جاروا على اليتيم والأرملة . لقد ازدريت أقداسي وانتهكت سبوتي . رجال نميمة كانوا فيك لسفك الدم ، وفيك أكلوا على الجبال ، وفي وسطك صنعوا الفجور . فيك من كشف عورة أبيه وفيك أُذِلَّت المتنجسة بطمثها . واحد صنع مع امرأة قريبه ما هو قبيحة ، وواحد نجس كنته بفجور ، وواحد أذل فيك أخته بنت أبيه فيك أخذت الرشوة لسفك الدم، وأنت أخذت الفائدة والربى ، واغتصبت قريبك بالكسب ، ونسيتني، يقول السيد الرب.

فها أنذا أضرب كفي على كسبك الذي اتخذته وعلى الدم المسفوك في وسطك. فهل يثبت قلبك أو تقوى يداك ، أيام أجري أمري معك . أنا الرب تكلمت وسأفعل . أشتتك بين الأمم وأذريك في الأراضي وأزيل نجاستك منك، وأتدنس بك على عيون الأمم ، فتعلمين أني أنا الرب)).

…………………

((هكذا قال السيد الرب : بما أنكم جميعاً قد صرتم خبثاً ، لذلك هاءنذا أجمعكم في وسط أورشليم ، جمع الفضة والنحاس والحديد والرصاص والقصدير في وسط الأتون ، لأنفخ عليها النار حتى أذيبها . هكذا أجمعكم في غضبي وسخطي وأدعكم هناك وأذيبكم . احشدكم وأنفخ عليكم في نار سخطي وأذيبكم في وسطها. كما تسبك الفضة في وسط الأتون ، كذلك تذابون في وسطها ، فتعلمون أني أنا الرب صببت غضبي عليكم)).

((إنك أرض غير مطهرة ، لم تمطر في يوم الغضب . في وسطها مؤامرة أنبيائها (الدجالين) . كأسد زائر مفترس فريسة قد التهموا النفوس وأخذوا المال والنفيس، وكثروا الأرامل في وسطها . كهنتها تعدوا على شريعتي ودنسوا أقداسي ، ولم يميزوا بين المقدس والحلال ، ولم يُعلِموا الفرق بين النجس والطاهر، وحجبوا عيونهم عن سبوتي ، فتدنست في وسطهم . ورؤساءها في وسطها كالذئاب المفترسة الفريسة ، سافكين الدم ، مهلكين النفوس ، لكي يكسبوا كسباً… جاروا جوراً على شعب الأرض ، واختلسوا خلسة وظلموا البائس والمسكين ، وجاروا على النـزيل بغير حق)).

[حزقيال 24 : 30]

نعم لقد جاروا على شعب الأرض جوراً عظيماً واختلسوا أمنهم وراحتهم وبلادهم ومزارعهم !. فهل نستمر مع حزقيال في استعراض أرجاس رجسة الخراب أم ننتقل إلى حديثه عن العقوبة ؟ !!

الجواب : يجب أن نقف ليس لأننا خرجنا عن منهجنا في الاختصار بل حياءً من القارئ –وربما خوفاً من مقص الرقيب الأخلاقي- فإن السفر ضرب بعد هذا مثلاً للرجستين “السامرة” و”أورشليم ” اليهوديتين بامرأتين زانيتين سماهما ( أهله وأهليبه ) ، وفي التسمية تورية لفظية عنهما ، وهما قصتان تليقان بما يكتبه الإعلام الأمريكي عن جيمي سواجارت وأمثاله من قادة الصهيونية النصرانية أصحاب السيرة الأخلاقية السيئة ، لكنها لا تليق ببحثنا ونستحيي من إيرادها . ولا أدري هل المتدينون النصارى يسمحون لأبنائهم وبناتهم بقراءة مثل هذه الموضوعات في ((الكتاب المقدس ؟!! )) أم يقرأونها وحدهم عند مشاهدة أفلام آخر الليل التي لا يراها من هم دون الثامنة عشرة ؟!

أما عقوبة “أهله ” وأختها فلا بأس من ذكرها كما أوردها السفر.

((هكذا قال السيد الرب لتُستدعَ عليهما جماعة ولتسلما إلى الذعر والنهب فترجمهما الجماعة بالحجارة وتقطعهما بسيوفهما ويقتلون بنيهما وبناتهما ويحرقون بيوتهما بالنار فأبطل الفجور من تلك الأرض)).

  ([2]) أصل كلام دانيال ( ويبطل اليومية ) أي العبادة اليومية ، وهي الصلاة اليومية لكن العبادة اليهودية مرتبطة بالمحرقة فذكروا الموصوف المحذوف وجعلوه ” المحرقة ” فأصبحت العبارة = “المحرقة اليومية” أو ” المحرقة الدائمة ” والنسخ الإنجليزية واضحة في هذا.

 ([3]) مجلة ((المراعي الخضراء)) ، يوليو 1934 ص 16 ملحق بشرح الرؤيا.

([4]) ((تاريخ الحروب الصليبية)) : ص (17 ، 19).

([5]) ((البشارة بنبي الإسلام)) ، أحمد السقا حجازي (2/208) ، وقد وقع المؤلف في هذا الخطأ الشنيع إذ أقر كلام هؤلاء.

  (*) لم يسبق لأحدٍ من ملوك الفرس أو الروم أن تسلط على كامل الأرض من بحر الفرس إلى بحر الروم ومن نهر الفرات إلى عدن، وإنما حصل هذا لعمر  ثم سائر خلفات المملكة الأبدية.

  ([6]) ((إظهار الحق)) الهندي رحمة الله ، ص (93-94).

  ([7]) المصدر السابق ، ص (94).

  ([8]) المصدر السابق ، ص (94).

  ([9]) حاشية مرقص ، ص (167) العهد الجديد من الطبعة الكاثوليكية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

منهج التوثيق وإثبات الحقائق في دراسة التاريخ الإسلامي

منهج التوثيق وإثبات الحقائق في دراسة التاريخ الإسلامي د. محمد أمحزون أ- دراسة الإسناد الإسناد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *